آخر الأخبار

عطر الأندلس في حضن جبل زغوان: مهرجان النسري والأبعاد الثقافية لربيع تونس المتجدد

شارك

جليلة كلاعي تونس

تسافر بك الجغرافيا أحياناً إلى أمكنة لا تكتفي بتقديم المشهد، بل تسكب في روحك عطراً يختزل قروناً من التاريخ والمثاقفة.
في المرتفعات الشمالية الشرقية لتونس، وتحديداً حيث يتكئ جبل زغوان المهيب على ذكريات الرومان وبصمات الأندلسيين، لا يعود الربيع مجرد فصل عابر في تقويم الطبيعة، بل يتحول إلى طقس احتفالي يتنفسه الناس عبقاً مقطراً في القوارير، وتذوقاً لـ”كعك الورقة” الأسطوري، وعناقاً حياً مع الذاكرة الحية، يتجسد هذا كله في الدورة الأربعين لمهرجان النسري بزغوان، التي تنطلق في أبهى حلة لها لتصنع من المدينة مسرحاً مفتوحاً للفن، والتنمية، والهوية الثقافية الأصيلة التي تأبى النسيان.

إن هذا الحدث ليس مجرد تظاهرة احتفالية محلية تمر عبرها الوفود وتنقضي بانقضاء أيامها، بل هو تفكيك عميق لآليات المقاومة الثقافية التي قادتها العائلات الأندلسية المطرودة منذ القرن السابع عشر، والتي غرست نبتة “النسري” كرمز للحنين ولإعادة تأسيس الوجود في موطنها الجديد.

يمثل المهرجان في عمقه البنيوي حلقة وصل بين الماضي الاقتصادي والراهن السياحي، حيث تتحول الزهرة البيضاء الرقيقة إلى محرك تنموي متكامل يتقاطع فيه عبق التقطير التقليدي مع تطلعات الاستثمار الحديث، مما يمنح زغوان خصوصية تجعلها قطباً جاذباً للسياحة الثقافية والبيئية، قادراً على تحويل الموروث غير المادي إلى ثروة مستدامة تخلق فرص العمل وتحافظ على الحرف اليدوية من الاندثار.

تتجاوز هذه الدورة الاستثنائية البعد الفلكلوري لتغوص في أبعاد علمية وفنية واعدة، إذ يمتد البرنامج ليربط بين سهرات الموسيقى الراقية والندوات الفكرية التي تدرس آفاق تطوير قطاع النباتات العطرية والطبية، مستندة إلى إرث مائي عريق يمثله “معبد المياه” الروماني الذي يظل شاهداً على عبقرية هندسة السوائل في المنطقة.

تكمن القوة التحليلية للمهرجان في قدرته على صهر الفئات الاجتماعية المختلفة، من شيوخ الحرفة الذين يحرسون أسرار “النضج” والتقطير، إلى الشباب والأطفال الذين يجدون في الورشات التنشيطية والعروض المسرحية فضاءً لترسيخ الوعي بالهوية المحلية، مما يضمن استمرارية هذا التدفق المعرفي والحضاري عبر الأجيال، ويجعل من زغوان قبلة سياحية تونسية وعربية لا بديل عنها لامتلاكها توليفة نادرة من سحر الطبيعة، وعمق التاريخ، ورقة العطر.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *