جليلة كلاعي تونس
في الوقت الذي تبحث فيه الاقتصادات العالمية عن طوق نجاة وسط تقلبات الأسواق الدولية، تثبت الأرض التونسية مجدداً أن باطنها وظاهرها يزخران بثروات لا تنضب، حيث تحول شجر الزيتون المبارك من مجرد موروث ثقافي وتاريخي إلى محرك استراتيجي يقود قاطرة النمو الاقتصادي للبلاد.
لم يعد زيت الزيتون التونسي مجرد منتج فلاحي يزين الموائد، بل أضحى “سفيراً فوق العادة” ودبلوماسية اقتصادية ناعمة تقتحم أعتى الأسواق العالمية بكبرياء وجودة لا تقبل المنافسة.
ولعل القفزة النوعية التي أعلنها المرصد الوطني للفلاحة مؤخراً، برصد ارتفاع قياسي في عائدات التصدير بنسبة ناهزت خمسين بالمائة خلال النصف الأول من موسم 2025-2026، ليست مجرد رقم عابر في سجلات الموازنة المالية، بل هي وثيقة إعلان عن ريادة تونسية متجددة، تعيد رسم خارطة النفوذ التجاري الفلاحي في حوض البحر الأبيض المتوسط وفي العالم العربي ككل.
إن قراءة متأنية في الأرقام التي حققها هذا القطاع تمنحنا عمقاً تحليلياً يتجاوز النشوة المؤقتة بالأرباح الفورية، فبلوغ العائدات المالية حاجز 3.6 مليار دينار تونسى يعكس مرونة فائقة للاقتصاد التونسي في مواجهة التغيرات المناخية التي باتت تهدد الأمن الغذائي العالمي.
هذا الصعود الصاروخي الذي ترافق مع تصدير ما يناهز ثلاثمائة ألف طن، يكشف عن استراتيجية وطنية ناجعة استطاعت تعويض التراجع الطفيف في الأسعار العالمية عبر مضاعفة كميات الإنتاج وتكثيف قنوات التوزيع الخارجية.
وهنا تكمن العبقرية الفلاحية التونسية، حيث تحول التحدي المتمثل في انخفاض سعر الكيلوغرام عالمياً بنسبة ثمانية بالمائة، إلى فرصة سانحة لغمر الأسواق الدولية بمنتج يتميز بالجودة الفائقة والأسعار التنافسية، مما عزز من حصة تونس السوقية ووضعها في موقع ريادي متقدم أمام كبار المنتجين التقليديين.
بالغوص في بنية هذه الصادرات، نكتشف تحولاً جوهرياً في الوعي الإنتاجي التونسي يميل نحو تثمين الجودة والبحث عن التميز؛ فاستئثار زيت الزيتون البكر الممتاز بحصة الأسد التي تخطت ثلاثة وثمانين بالمائة من إجمالي المبيعات، يبعث برسالة واضحة للمستهلك الدولي بأن علامة الجودة التونسية أصبحت مرادفاً للمقاييس الصحية والغذائية الصارمة.
ورغم أن الزيت السائب لا يزال يمثل العصب الأساسي لحركة الشحن بنسبة تقارب سبعة وثمانين بالمائة، فإن الصعود التدريجي للزيت المعلب والزيت البيولوجي (العضوي) يفتح آفاقاً واعدة لرفع القيمة المضافة للاقتصاد المحلي، حيث نجحت تونس في تسويق قرابة ثمانية وثلاثين ألف طن من الزيت العضوي، مستهدفة بذلك النخبة من المستهلكين في العالم الذين يبحثون عن المنتجات الطبيعية الخالية من الأسمدة الكيميائية، وهو ما يمثل ذروة الذكاء التجاري في العصر الحديث.
ولم تكن هذه الطفرة الاقتصادية لتكتمل لولا الاختراق الاستراتيجي للأسواق العالمية الأكثر تطلباً والأشد تنافسية، حيث نجح الذهب الأخضر التونسي في نسج شبكة عنكبوتية من الوجهات الدولية، تصدرها الاتحاد الأوروبي بأكثر من نصف الصادرات، مدفوعاً بطلب تقليدي ضخم من أسواق عريقة مثل إسبانيا وإيطاليا.
غير أن التحليل الأعمق للمشهد الجغرافي للتجارة الخارجية التونسية يتجلى في التموقع القوي داخل أسواق أمريكا الشمالية وآسيا، والتي باتت تستوعب حصصاً هامة تؤكد تغير بوصلة الاستهلاك العالمي واعتراف القارة الأمريكية والأسواق الآسيوية الواعدة بالقيمة الغذائية الفريدة للمنتج التونسي.
إن تصدر إسبانيا لقائمة المستوردين بنسبة تتجاوز اثنين وثلاثين بالمائة، تليها إيطاليا والولايات المتحدة الأمريكية نسب متقاربة، يوضح كيف أصبحت تونس رقماً صعباً ومغذياً أساسياً للصناعات الغذائية والتجارية العالمية، محولةً بذلك ثروتها الزراعية إلى أداة لتعزيز نفوذها الاقتصادي العابر للقارات، ومسطرةً فصلاً جديداً من فصول النجاح العربي في المحافل الدولية.



