جليلة كلاعي تونس
حين تلتقي صلابة حجارة الجم التونسية بعراقة التقاليد اليابانية، تولد في فضاء الفن لغة عالمية تتجاوز حدود الجغرافيا لتصنع التاريخ السياحي والثقافي.
في غرة جوان من عام ألفين وستة وعشرين، لم يكن استقرار اللوحة الفسيفسائية العملاقة “الزيتونة” في جامعة ريتسوميكان آسيا والمحيط الهادئ باليابان مجرد حدث دبلوماسي عابر، بل كان تجسيداً حياً لرحلة سياحية ثقافية فريدة، انطلقت من تربة تونس وحطت رحالها نهائياً كمعلم فني بارز في أقصى الشرق، بعد جولتها الملهمة التي شملت إكسبو أوساكا ومتحف محافظة أويتا للفنون، تزامناً مع الاحتفال بالذكرى السبعين لإرساء العلاقات الدبلوماسية بين تونس واليابان.

هذا الحدث يمثل في جوهره دليلاً سياحياً وثقافياً غير تقليدي؛ فالفسيفساء التونسية، التي تمتد على مساحة تقارب أربعين متراً مربعاً وتضم أكثر من ستمائة ألف قطعة حجرية ملونة، ليست مجرد جدارية صماء، بل هي سفيرة فوق العادة للسياحة الثقافية التونسية.
لقد نجح الحرفيون المهرة بمدينة الجم، تحت إشراف الفنان الطيب زيود، في تحويل حبات الرخام والحجارة إلى نبض حي يجسد “زيتونة الشرف” التاريخية بولاية نابل، تلك الشجرة الممتدة لأكثر من ألفين وخمسمائة عام، والتي ترمز للأصالة والسلام؛ وبذلك، ينتقل السائح الياباني والآسيوي، وهو في قلب حرمه الجامعي، إلى عمق الذاكرة المتوسطية ليتحسس جذور الحضارة القرطاجية والرومانية التي ميزت الخصوصية التونسية.

إن التحليل العميق لهذه المحطة السياحية الثقافية يكشف عن تحول جوهري في أساليب الترويج السياحي العربي؛ فلم تعد السياحة تقتصر على دعوة الزائر للقدوم، بل أصبحت الهوية الثقافية تسافر بنفسها لتبهر العالم في عقر داره. إن استقرار هذه اللوحة في جامعة ريتسوميكان، التي تضم آلاف الطلاب من مختلف الجنسيات الآسيوية والعالمية، يحول هذا المعلم الفني إلى نقطة جذب سياحي وفكري دائم، ويفتح آفاقاً جديدة واعدة لتدفق السياح اليابانيين نحو المسالك الثقافية والأثرية في تونس، حيث تلتقي رمزية الزيتونة بعبقرية الحرف التونسي، لتروي للعالم قصة بلد يصنع من ماضيه العريق جسراً ممتداً نحو سياحة المستقبل.



