جليلة كلاعي تونس
حين تلتقي أمواج البحر الأبيض المتوسط بأنغام المحيط الأطلسي، تولد لحظة استثنائية تتجاوز حدود الجغرافيا لتصنع من الموسيقى لغة إنسانية موحدة، وهي اللحظة التي يترقبها عشاق الفن الأصيل في تونس والبرتغال. ليس الحفل المرتقب مجرد سهرة موسيقية عابرة، بل هو احتفاء حي بالذاكرة الثقافية المشتركة التي تجمع ضفتي المتوسط، حيث يمتزج شجن الفادو البرتغالي بأصالة المالوف التونسي، ليعيد رسم ملامح الحوار الإنساني في أبهى صوره.
هذا الحدث الذي يحضنه مسرح أوبرا تونس بمدينة الثقافة يمثل جسراً تواصلياً متيناً، يتزامن مع الذكرى الثالثة والعشرين لاتفاقية الصداقة والتعاون بين البلدين، ليؤكد أن السياسة وإن رسمت الحدود، فإن الفن وحده يملك القدرة على إذابتها وإعادة صياغة الروابط التاريخية بروح عصرية متجددة.
يتجلى العمق التحليلي لهذا اللقاء الثقافي في طبيعة الفنون المختارة، فالفادو والمالوف ليسا مجرد أنماط غنائية، بل هما مستودعان للهوية والذاكرة الشعبية.
الفادو، بمسحته الحزينة ونبرته الشجية، يعبر عن فلسفة “السودادي” البرتغالية – ذلك الحنين الجارف إلى الماضي والغايب والمجهول.
وفي المقابل، يمثل المالوف التونسي الحاضنة الحية للموشحات والأزجال الأندلسية، حاملاً بين نوتاته حنيناً من نوع آخر، هو حنين الفردوس المفقود وهجرة الأندلسيين التي تركت بصمتها في شمال أفريقيا.
هذا التلاقي بين حنين الأطلسي وشجن الأندلس يخلق حواراً هارمونياً فريداً؛ فالآلات الموسيقية كالغيتار البرتغالي ستتشابك مع العود والقانون التونسي، لتثبت أن الجذور المقامية والإيقاعية للموسيقى التقليدية في البلدين تنهل من بئر إنسانية واحدة، عكستها قرون من التمازج الحضاري والتبادل التجاري والإنساني عبر البحار.
تكتسب هذه التظاهرة بعداً سياحياً وفكرياً عميقاً يتجاوز حدود الركح؛ إذ يتحول الفعل الثقافي هنا إلى رافعة حقيقية للسياحة الثقافية المستدامة، التي تبحث عنها مجلة السياحة العربية وتدعمها كنموذج رائد. إن انتقال العرض في ليلته الثانية من فخامة مسرح الأوبرا بالعاصمة إلى عبق المقهى الأندلسي بمدينة تستور التاريخية، يحمل دلالة رمزية بالغة الأهمية.
تستور، التي بناها الموريسكيون القادمون من شبه الجزيرة الإيبيرية، تمثل الفضاء الطبيعي والتاريخي الأنسب لاحتضان هذا التلاقح الفني، حيث تلتقي العمارة الأندلسية بالصوت البرتغالي والتونسي في فضاء مفتوح للعامة.
هذا الترحال الجغرافي للموسيقى يسلط الضوء على عمق المخزون التراثي للمدن الداخلية التونسية، ويقدم للزائر العربي والأجنبي تجربة سياحية حية، يمتزج فيها التاريخ المكتوب على جدران الصوامع العتيقة بالنغمات الحية التي تتردد في فضاءات المدينة، مؤكدة أن تونس تظل دائماً أرض اللقاء، وملتقى الحضارات التي لا تموت، بل تتجدد مع كل نوتة موسيقية تجمع بين شعوب الأرض.



