جليلة كلاعي تونس
في عالمٍ يتسارع فيه الزمن، وتتلاشى فيه ملامح التاريخ تحت وطأة المتغيرات المناخية والبيولوجية، ترفض تونس أن تترك حضارتها الضاربة في عمق التاريخ لعوامل الفناء الطبيعي.
لم يعد الحفاظ على الآثار مجرد عملية ترميم تقليدية بأدوات كلاسيكية، بل تحول إلى معركة علمية دقيقة تُدار داخل المختبرات الفيزيائية الأكثر تعقيداً.
وفي خطوة استراتيجية تجمع بين عبقرية الماضي وجبروت المستقبل الرقمي، شهدت العاصمة التونسية توقيع مذكرة تعاون إطارية فارقة بين المعهد الوطني للتراث والمركز الوطني للعلوم والتكنولوجيا النووية.

هذا التحالف الاستراتيجي، المدعوم بالثقل التقني للوكالة الدولية للطاقة الذرية عبر المشروع الوطني “TUN1015″، يمثل ثورة حقيقية في فلسفة إدارة التراث الثقافي والسياحي في العالم العربي، حيث تلتقي أشعة غاما والتحليلات النظائرية بأنفاس الفينيقيين، وقرطاج، والحضارة الرومانية والإسلامية.
إن هذا التوجه التونسي نحو “نووية التراث” يحمل أبعاداً تحليلية أعمق بكثير من مجرد اتفاقية إدارية بين مؤسستين دوليتين، إنه يمثل تحولاً جذرياً في كيفية قراءة التاريخ وقيمته الاقتصادية والسياحية.
فالتقنيات النووية السلمية، وخاصة آليات المسح الإشعاعي غير المدمر، تمنح علماء الآثار التونسيين اليوم “عيوناً خارقة” قادرة على اختراق جدران الزمن ودراسة التركيب البنيوي الدقيق للمخطوطات النادرة والقطع الأثرية الفريدة دون لمسها أو المخاطرة بإتلافها.
هذه المنهجية العلمية الصارمة تقطع الطريق تماماً مع الأساليب القديمة التي كانت تعتمد على أخذ عينات قد تؤثر على سلامة القطعة، مما يضمن بقاء الإرث الإنساني مكتملاً للأجيال القادمة، ويرفع من القيمة المادية والمعنوية للمقتنيات المتحفية التونسية التي تشكل العصب النابض لجاذبية البلاد السياحية كوجهة ثقافية عالمية.
من ناحية أخرى، تكمن العبقرية التحليلية لهذا المشروع في قدرة التكنولوجيا الإشعاعية على معالجة واحدة من أعقد المشكلات التي تواجه المتاحف العربية: التحلل البيولوجي الناجم عن الرطوبة وتغير المناخ. من خلال التعقيم بالإشعاع، يصبح بالإمكان إبادة الآفات الفطرية والبكتيرية التي تلتهم المخطوطات والمنسوجات الأثرية بدقة متناهية وبأمان مطلق.
علاوة على ذلك، فإن استخدام التحليل النظائري المتطور يتيح تحديد العمر الزمني الدقيق للقطع الأثرية ومصادرها الجغرافية الأصلية، وهو ما يمنح تونس سلاحاً علمياً وقانونياً حاسماً لتأصيل هويتها التاريخية وحماية قطعها من التزييف والتهريب الدولي، فضلاً عن تقديم سردية تاريخية موثقة وخالية من الشكوك للسياح والباحثين الشغوفين باكتشاف الحقيقة التاريخية.
إن حضور الخبراء الدوليين، مثل المسؤولة الفنية بالوكالة الدولية للطاقة الذرية ماريا هيلينا كاسيميرو لمتابعة تفعيل هذه التقنيات ميدانياً، يؤكد أن تونس لا تبني مجرد مختبرات محلية، بل تؤسس لمركز إقليمي رائد في شمال إفريقيا والوطن العربي لصون الذاكرة الإنسانية.
هذا الدمج الخلاق بين العلوم الدقيقة والعمق الحضاري يعزز مفهوم “السياحة المستدامة والقائمة على المعرفة”، حيث لم يعد السائح يزور متحفاً ليرى حجراً صامتاً، بل ليقف أمام قصة حضارية تم إثبات تفاصيلها العلمية والزمنية بأحدث ما توصل إليه العقل البشري في القرن الحادي والعشرين. إنها رسالة تونسية بامتياز، تفيد بأن حماية الهوية الوطنية وموروثها الإنساني لا تتناقض مع الحداثة، بل إن التكنولوجيا الذرية هي الحارس الأمين الجديد لقرطاج والقيروان.



