عبد الوهاب البراري ـ تونس السياحة العربية
تتحول خيوط الصوف والحرير في تونس من مجرد أدوات للدفء والزينة إلى وثائق تاريخية حية تنبض بالهوية، وتختزل في طياتها ملامح حضارة ضاربة في القدم.
وفي خطوة رائدة تمزج عراقة الماضي بآفاق المستقبل الفسيحة، يحتضن المعلم الأثري الشامخ “برج الحمامات” فعاليات الإقامة الفنية والورشة متعددة الاختصاصات تحت عنوان “منسوجاتنا… ذاكرة رقمية حيّة”، وذلك بإشراف من وزارة الشؤون الثقافية التونسية وبتنظيم من وكالة إحياء التراث والتنمية الثقافية، بالتعاون مع وزارة التعليم العالي والبحث العلمي. هذا الحدث لا يمثل مجرد تظاهرة ثقافية عابرة، بل هو بيان حضاري يعيد صياغة مفهوم الحفاظ على التراث اللامادي، وينقله من غرف المتاحف المغلقة إلى فضاءات التفاعل الرقمي والابتكار المعاصر.
تكتسب هذه التظاهرة عمقاً تحليلياً استثنائياً من خلال قدرتها على كسر العزلة بين النظريات الأكاديمية والمهارات الحرفية التقليدية، حيث تجمع تحت سقف البرج التاريخي نخبة من الطلبة والباحثين والخبراء إلى جانب الحرفيين المهرة.
إن هذا الالتقاء المعرفي يهدف بالأساس إلى تفكيك أسرار التراث المنسوج، وتحديداً “النسيج الحائطي” و”كليم قفصة” الشهير بزخارفه الهندسية ورموزه البربرية والعربية الضاربة في عمق التاريخ. إن اختيار هذه المنسوجات تحديداً يحمل أبعاداً ورمزية غنية؛ فكل غرزة خيط وكل تمازج للألوان يمثل أبجدية بصرية صامتة تروي قصصاً عن الأرض، والمرأة، والمقاومة، وتفاصيل الحياة اليومية، وهي ذاكرة مهددة بالاندثار ما لم يتم فهم رسائلها الخفية وإعادة إنتاجها بأدوات العصر الحالي.
ولا تتوقف الرؤية عند حدود المحاكاة أو التوثيق التقليدي، بل تذهب عميقاً نحو إحداث ثورة رقمية في كيفية التعاطي مع الموروث الثقافي السياحي. إن صياغة “أرشيف رقمي تفاعلي” لهذه المنسوجات تعني تحويل السجاد والكليم من منتج مادي استهلاكي إلى قيمة معرفية عابرة للقارات، حيث يتيح التوثيق الرقمي والنمذجة ثلاثية الأبعاد حماية هذه التصاميم من السطو أو التشويه، ويمنح الباحثين والسياح حول العالم فرصة استكشاف تفاصيل الحرفة التونسية بدقة متناهية.
هذا التحول التكنولوجي يمثل الجسر الحقيقي نحو السياحة الثقافية المستدامة، حيث لم يعد السائح يبحث عن تذكار جامد، بل عن تجربة حية وقصة إنسانية مكتملة الأركان يستطيع معايشتها عبر المنصات الرقمية قبل حتى أن تطأ قدماه أرض تونس.

وفي المحصلة، يقدّم هذا الحدث نموذجاً ملهماً لما يجب أن يكون عليه الاقتصاد الإبداعي في العالم العربي، من خلال تحويل التراث إلى محرك تنموي حقيقي يفتح آفاقاً تشغيلية واعدة للشباب التونسي في مجالات التصميم، والرقمنة، والصناعات الثقافية.
إن المنتجات الفنية المعاصرة التي ستولد من رحم هذه الإقامة الفنية لن تكون مجرد قطع للديكور، بل هي إعادة إحياء للروح التونسية بقالب حداثي ينافس في الأسواق العالمية. ومن خلال دمج هذه المخرجات ضمن المسارات السياحية لمدينة الحمامات، يثبت هذا المشروع أن الذاكرة الوطنية ليست عبئاً من الماضي يجب حراسته، بل هي طاقة متجددة وثروة وطنية قادرة على صياغة المستقبل الاقتصادي والثقافي، طالما وجدت الخيوط الماهرة والعقول المبتكرة التي تحسن غزلها.



