آخر الأخبار

سحر السيمفونيات فوق ركح التاريخ: قراءة في فلسفة الدورة 39 لمهرجان الجم الدولي

شارك

جليلة كلاعي تونس

بينما تنطفئ أنوار الحواضر الصاخبة وتغرق المدن في رتابة الصيف، يرتفع في قلب تونس صرح أثري قديم، ليسرد على مسامع العالم حكاية ليلية فريدة تختزل قروناً من تمازج الثقافات؛ هنا في قصر الجم، حيث تلتقي الحجارة الرومانية العتيقة بالنغمات الكلاسيكية الخالدة، تنطلق الدورة التاسعة والثلاثون للمهرجان الدولي للموسيقى السمفونية كرسالة إنسانية ممتدة من الحادي عشر من جويلية إلى منتصف أوت لعام 2026، لتثبت أن الفن لا يشيخ، وأن التاريخ يمكن أن يُعزف من جديد.

لم يعد مهرجان الجم مجرد تظاهرة فنية عابرة أو محطة ترفيهية على الهامش السياحي، بل تحول عبر العقود إلى فلسفة بصرية وسمعية تعيد صياغة مفهوم “المكان”، فالوقوف على ركح المسرح الروماني بالجم لا يشبه الاعتلاء لأي مسرح معاصر، إذ يمنح الجدار الدائري الضخم للأصوات رنيناً طبيعياً يحاكي في دقته أحدث التقنيات الصوتية، وكأن العمارة القديمة قد صُممت مسبقاً لتكون حاضنة مثالية للأوركسترا العالمية، وهذا التزاوج بين فخامة الإرث المادي التونسي واللامادية العميقة للموسيقى الكلاسيكية يخلق حالة من “السياحة الثقافية النخبوية” التي تجذب المتلقي الباحث عن الامتلاء الفكري والروحي.

تتجلى القيمة التحليلية لبرمجة هذه الدورة في ذكاء الاختيارات الموسيقية التي لم تأتِ اعتباطية، بل رُتبت كحوار حضاري يربط ضفتي البحر الأبيض المتوسط والعمق الأوروبي، فانطلاق الفعاليات بأوبرا “ديدو وإيني” التونسية ليس مجرد افتتاح بروتوكولي، بل هو استدعاء رمزي للملحمة القرطاجنية وإعادة الاعتبار للمخزون الأوبرالي المحلي في مواجهة المدارس الغربية، ليتلو ذلك تدفق فني مدروس يمتد من الكلاسيكيات الإسبانية الممثلة في “كاميراتا دي برشلونة”، مروراً بالثقل الكورالي النمساوي لفرقة “دي بال لأوبرا فيينا” التي تحتفل بعامها الثلاثين من الوفاء لجمهور الجم، وصولاً إلى السينما الإيطالية وعروض “سنيسيتا/هولييود” التي تبرهن على أن الموسيقى السمفونية قادرة على محاكاة معاصرة الإنسان المعاصر وشغفه البصري.

يتجاوز البُعد التنظيمي للمهرجان هذا العام حدود العرض الفني ليلامس مفهوم “التنمية اللوجستية المستدامة” للسياحة الثقافية، إذ يعكس التنسيق المحكم بين إدارة المهرجان والشركة الوطنية للسكك الحديدية التونسية، إلى جانب شركات النقل والوكالات السياحية، رؤية عميقة لتحويل الفن إلى محرك اقتصادي واجتماعي يربط المدن الكبرى بالداخل التونسي، فجعل القطارات المخصصة تنساب بالتوازي مع أوقات السهرات يرفع الحرج عن الجماهير ويزيل عوائق المسافات، محولاً ليل الجم إلى شريان حيوي نابض بالحياة، وبذلك يسهم المهرجان في إعادة تموضع تونس على خارطة السياحة الفاخرة التي تبحث عن الجودة والتفرد أبعد من شواطئ البحر التقليدية.

إن الدورة التاسعة والثلاثين لمهرجان الجم الدولي للموسيقى السمفونية هي بمثابة إعلان صريح بأن الثقافة هي القوة الناعمة الأكثر صموداً في وجه الزمن؛ فحين تعزف المجموعات الدولية أنغامها تحت سماء الجم، يختفي صخب العالم الخارجي ولا يبقى سوى هيبة التاريخ متحدة مع جلال النغمة، ليغادر السائح والزائر وفي ذاكرته ما هو أعمق من مجرد صور فوتوغرافية، بل تجربة وجدانية فريدة تعيد تعريف تونس كمنارة أزلية للفنون الإنسانية الراقية.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *