آخر الأخبار

آفاق جديدة للسياحة التونسية: شراكة ذكية لإعادة صياغة الهوية التنافسية

شارك

جليلة كلاعي تونس

لم تعد صناعة السياحة المعاصرة مجرد ترفيه عابر أو أرقام توافد تقليدية، بل تحولت إلى معركة استراتيجية حول جودة التجربة، الاستدامة، والقدرة على الابتكار الرقمي.
في هذا السياق المفصلي، يأتي اللقاء الأخير بين وزير السياحة التونسي سفيان تقية والمكتب التنفيذي الجديد للجامعة المهنية المشتركة للسياحة التونسية برئاسة وليد طريطر، ليس كإجراء بروتوكولي عابر، بل كإعلان صريح عن تدشين مرحلة جديدة من هندسة العمل المشترك بين سلطة القرار السياسي وخبرة الفاعلين في الميدان.
إن هذا التحرك يمثل نقطة تحول جوهرية تعكس وعياً عميقاً بضرورة تفكيك الأنماط الكلاسيكية التي ركنت إليها السياحة التونسية لعقود، والتوجه بجرأة نحو آفاق بديلة قادرة على الصمود أمام التحولات الاقتصادية والمناخية العالمية.
تتجلى عمق هذه الرؤية في الاتفاق على صياغة وثيقة عمل مشتركة تقطع مع الحلول الترقيعية المؤقتة، وتؤسس لسياسات هيكلية واضحة المعالم.
إن التركيز على مراجعة النصوص الترتيبية والتشريعية الخاصة بالسياحة البديلة، لاسيما في المناطق الغابية والريفية، يمثل اعترافاً رسمياً بأن ثروة تونس الحقيقية تكمن في عمقها الثقافي والبيئي غير المستغل بالشكل الأمثل.
هذه المراجعة التشريعية المرتقبة لا تستهدف التسهيل الإداري الفضفاض، بل تسعى إلى خلق بيئة استثمارية آمنة وجاذبة قادرة على تحويل الأقاليم الداخلية إلى أقطاب تنموية سياحية قائمة بذاتها، مما يساهم في تحقيق العدالة المجالية والحد من المركزية الساحلية التي طالما عابها خبراء القطاع.
في المقابل، يفرض البُعد الرقمي نفسه كركيزة أساسية لا غنى عنها في معادلة التنافسية الدولية، فلم يعد مقبولاً اليوم الحديث عن وجهة جاذبة دون إحداث ثورة شاملة في أنظمة الحجز الإلكتروني والتسويق الاستشرافي القائم على البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي. اللقاء وضع الإصبع على الجرح بضرورة مواكبة هذه الطفرة العالمية، فالرقمنة هنا ليست مجرد واجهة تكنولوجية، بل هي الأداة الحيوية التي تمكن الوجهة التونسية من فهم سلوك المستهلك الحديث والوصول إلى أسواق جديدة غير تقليدية.
هذا التوجه يتكامل بشكل عضوي مع خطط تنشيط الجزر التونسية والموانئ الترفيهية، والتي تهدف إلى تحويل هذه الفضاءات من نقاط عبور راكدة إلى منصات حية تقدم منتجات سياحية متكاملة وعالية القيمة المضافة، تجمع بين سياحة اليخوت، الترفيه، والتثمين الثقافي للمنتوج المحلي.
بالنظر إلى المستقبل القريب، يلوح في الأفق تحدٍّ استراتيجي وفرصة ذهبية في آن واحد، متمثلة في اختيار تونس عاصمة للسياحة العربية لعام 2027.
هذا الاستحقاق الإقليمي يفرض على الشراكة الجديدة بين الوزارة والجامعة المهنية المشتركة الخروج من عباءة التخطيط المحلي إلى فضاء الإشعاع العربي والدولي الواسع.


إن النجاح في إدارة هذا الحدث لا يقاس بحجم الاحتفاليات، بل بمدى القدرة على تقديم تونس كنموذج رائد في السياحة المستدامة، الطبية، والبيئية، وسياحة المغامرات. إنها اللحظة التاريخية المناسبة لإعادة تموقع تونس في الوعي الجمعي العربي كوجهة سياحية ناضجة، آمنة، ومتطورة، قادرة على تقديم تجربة سياحية إنسانية وثقافية متكاملة تتجاوز مفهوم “الشمس والبحر” إلى آفاق أرحب من التميز والابتكار.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *