جليلة كلاعي تونس
حين يمتزج صخب الموانئ الأوروبية بنبض الحكايا العربية، تولد لحظة استثنائية يستعيد فيها الفن دوره كجسر كوني عابر للحدود، وهو تماماً ما تجسد في الدورة السادسة والعشرين لمهرجان الفيلم العربي بروتردام بهولندا، حيث لم يكن الحضور التونسي مجرد مشاركة عابرة في تظاهرة ثقافية، بل تحول إلى ملحمة إبداعية حية توجت بانتزاع ثلاث جوائز كبرى وتنويهات خاصة، ليعلن الفن السابع في تونس عن ربيع جديد يزهر في قلب الصقيع الأوروبي، ويثبت أن السينما التونسية لا تصنع أفلاماً للاستهلاك، بل تصنع ذاكرة بصرية وهوية تقاوم النسيان.
هذا التتويج الثلاثي الأبعاد يحمل في طياته دلالات تحليلية عميقة تتجاوز القيمة المادية للجوائز إلى مستوى قراءة الراهن السينمائي التونسي، فنيل فيلم “تونس برلين للمخرجة نضال ڤيڨة جائزة الصقر الفضي في مسابقة الأفلام الوثائقية، يعكس قدرة المبدع التونسي على تفكيك ثنائية الشرق والغرب، والداخل والخارج، وصياغة وثيقة إنسانية تلامس الهجرة والاغتراب بجرأة وموضوعية، في حين يأتي فوز فيلم “اغتراب” للمخرج مهدي هميلي بجائزة الصقر البرونزي ليرسخ تياراً سينمائياً تونسياً جديداً يغوص في تشريح المجتمع وتناقضاته، متبنياً لغة بصرية مشحونة بالرمزية والواقعية النفسية الفائقة، مما يجعل الجائزة اعترافاً صريحاً بنضج الرؤية الإخراجية وقدرتها على مخاطبة وجدان لجان التحكيم الدولية.
أما اللمسة الأكثر دهشة وعاطفة في هذا الاستحقاق، فتمثلت في قنص الطفل هادي بن جبورية لجائزة أفضل ممثل عن دوره في فيلم “الجولة 13” للمخرج محمد علي النهدي، وهي التفاتة نقدية بالغة الأهمية تؤكد أن السينما التونسية تمتلك خزان موهبة متجدد وقدرة فائقة على إدارة الممثلين الهاوين والناشئين، وتحويل العفوية الطفولية إلى أداء درامي احترافي يهز الشاشة، وهو ما تكامل مع التنويه الخاص الذي ناله الفيلم القصير “في البداية تحمر الوجنتان، ثم نعتاد” للمخرجة مريم الفرجاني، ليؤكد أن سينما الشباب والسينما النسائية في تونس تسير بخطى واثقة نحو مأسسة سينما المؤلف التي ترفض القوالب الجاهزة.




