لم تكن طبرقة يوماً مجرد نقطة على خارطة السياحة الشاطئية؛ بل هي تلاوة بصرية تلتقي فيها زرقة المتوسط بخضرة غابات الكروم، وكأنها لوحة أثرية صامتة تنتظر دائماً من يبعث فيها الحياة. هذا الصيف، وبعد غياب دام ست سنوات عجاف طال فيها صمت مسرح البحر، لم تعد المدينة إلى الواجهة السياحية عبر بوابات الفنادق التقليدية، بل عبر هدير الساكسفون وارتجاليات الغيتار التي هزت أركان المدينة من الثاني إلى التاسع من جويلية. إن عودة مهرجان طبرقة الدولي للجاز في دورته العشرين ليست مجرد استئناف لحدث ثقافي، بل هي إعلان صريح عن رغبة تونسية في إعادة ابتكار “سياحة المعنى”، حيث تتحول الموسيقى من عنصر ترفيهي هامشي إلى رافعة اقتصادية ومحرك وجودي للمنطقة بأسرها.
يتجاوز المفهوم الجديد للمهرجان هذا العام الجدران المغلقة للمسارح النخبوية، ليخترق الفضاء العام من خلال برنامج “موسيقى الشارع” (Street Jazz). هذا التحول الأنثروبولوجي في التعاطي مع الفن يمثل عمقاً تحليلياً في فهم سيكولوجية السائح الحديث، الذي لم يعد يبحث عن العزلة في المنتجعات، بل يفتش عن “الأصالة الحية” والاندماج مع السكان المحليين. عندما يفتتح الفنان الجزائري جمال العروسي عروض الشارع بمزيج من التراث المغاربي والارتجال المعاصر، أو عندما يقدم ثنائي “Innēr Sense” الصربي تجارب الجاز الإلكتروني في الساحات المفتوحة، فإن المهرجان يلغي المسافة بين الفن والمتلقي. هذا التلاحم يحول طبرقة إلى ورشة ثقافية مفتوحة، حيث يصبح السير في أزقتها تجربة سياحية بحد ذاتها، تضمن تدفقاً بشرياً حيوياً ينعش المقاهي، الأسواق التقليدية، ومحلات الحرف اليدوية، ويعيد توزيع العائد الاقتصادي ليتجاوز الفنادق الكبرى ويمس صغار الكسبة والمواطنين.
الذكاء الاستراتيجي لهذه الدورة يتجلى في قدرتها على إحداث توازن بنيوي بين الكونية والخصوصية المحلية، وهو جوهر الجذب السياحي المستدام. فبينما يستقطب مسرح البحر أسماء عالمية وازنة من عيار الأمريكية “دي دي بريدجواتر” بمشروعها النسوي التحرري، والكوبي “ألفريدو رودريغيز” بإيقاعاته اللاتينية الصاخبة، والبريطانية “KOKOROKO” بنبضها الأفريقي، يرفض المهرجان أن يكون مجرد منصة مستهلكة للفن الغربي. يظهر ذلك بوضوح في مشروع “JAZZNA” للموسيقي التونسي محمد علي كمون، وعرض “أصول” الذي يجمع ياسين بولعراس بسفيان السعيدي، وهي أعمال تحفر في التراث التونسي والمغاربي لتعيد صياغته بلغة الجاز العالمية. هذا المزيج يمنح طبرقة هوية سياحية فريدة؛ فهي لا تقدم جازاً منسوخاً، بل تقدم “جازاً بهوية قرطاجنية وأفريقية”، وهو تحديداً ما يبحث عنه المسافر الثقافي الدولي الذي يسعى وراء تجارب فنية لا يمكنه أن يجدها في أي مكان آخر من العالم.
إن هذه العودة القوية لمهرجان طبرقة للجاز، بما تحمله من زخم الشارع وعالمية المسرح، تضع تونس أمام نموذج مثالي لكيفية استغلال القوة الناعمة في تنويع المنتج السياحي وتمديد الموسم السياحي لما بعد الشاطئ والمظلات الشمسية.
لقد أثبتت التجربة أن إحياء الثقافة هو أسرع الطرق لإحياء المدن، وأن النوتات الموسيقية التي تتردد بين صخور طبرقة وإبر وخزها الشهيرة قادرة على جذب الاستثمارات، وتنشيط الخطوط الجوية، ورسم صورة ذهنية للمقصد التونسي كوجهة تنبض بالحياة والفكر. إنها دعوة مفتوحة للعالم، ليس فقط لزيارة طبرقة، بل للعيش في تفاصيلها، والإنصات إلى حوار الحضارات الذي يكتبه الجاز على شواطئ مرجانية لا تنسى.