آخر الأخبار

أريانة تعيد صياغة الذاكرة: حينما تصبح الحناجر الناشئة حارسة للهوية الطربية بتونس

شارك

جليلة كلاعي تونس

لم يكن الفضاء المفتوح بالمنزه السادس بأريانة مجرد مسرح عابر لتنفيذ احتفالية بروتوكولية بمناسبة عيد الموسيقى، بل تحول في جوهره إلى ورشة حية لترميم الذاكرة الفنية التونسية، ومختبر إنساني يعيد إنتاج الأصالة بروح العصر.


في زمن تتسارع فيه موجات العولمة السمعية وتكتسح الأنماط الهجينة ذائقة الأجيال الجديدة، يرتد هذا العرض الموسيقي ليقدم إجابة بليغة وحاسمة حول قدرة الموروث على البقاء، لا كتحفة متحفية جامدة، بل ككائن حي يتنفس من خلال حناجر شابة لم تلوثها تجارية السوق.
لقد نجح منتخب المعهد العمومي للموسيقى والرقص بأريانة، تحت إشراف المندوبية الجهوية للشؤون الثقافية، في تحويل الفضاء العام إلى ساحة للمقاومة الثقافية الجمالية، مؤكداً أن الاستثمار في الناشئة هو الضمانة الوحيدة لتحصين الهوية الفنية التونسية من الاندثار أو التشويه.

العمق التحليلي لهذا الحدث يتجاوز مجرد تقديم أغانٍ قديمة بأصوات جديدة؛ إنه يمثل عملية تثاقف واعية تعيد ربط الحاضر بالماضي من خلال آلية “التمرير الجيلي”.
فالأصوات الناشئة المعتلية للركح لم تكن تقلد الماضي تقليداً أعمى، بل كانت تضفي عليه من حيويتها وعنفوانها ما يخرجه من قوالب النمطية الكلاسيكية إلى آفاق التلقي المعاصر. هذا التفاعل السحري بين المادة التراثية التونسية الأصيلة وبين البراءة التقنية للأداء الشبابي أحدث صدمة إيجابية في وجدان الجمهور الحاضر، الذي وجد نفسه أمام مرآة تعكس أصالته وجذوره دون أن تنفصل عن واقعه اليومي.
إن اختيار المقطوعات الطربية التونسية وتطويعها لتبدو قريبة من ذائقة شباب القرن الحادي والعشرين يعد ذكاءً إستراتيجياً من القائمين على المؤسسة الموسيقية بأريانة، حيث تحولت الأغنية الأصيلة من مادة نخبوية إلى خبز يومي متاح للعموم في ساحة عامة مفتوحة للجميع.

وفي أبعادها السياحية والثقافية، تؤسس هذه التجربة لنمط مبتكر من “السياحة الجمالية الداعمة للفنون”، حيث لم تعد المناطق الحضرية التونسية مجرد محطات للمرور أو مراكز للتسوق، بل أصبحت فضاءات لإنتاج الثقافة الراقية وتصديرها. الساحات المفتوحة كفضاء المنزه السادس باتت تمثل البديل الثقافي الأجدى في مواجهة انغلاق القاعات المغلقة، إذ تكسر النمطية الطبقية وتتيح للمنتج الثقافي الأصيل أن يتماس مباشرة مع المارة والسياح، مقدمةً صورة ناصعة عن تونس التي لا تموت فيها الفنون الحية.


إن هذا المزيج الاحترافي المتقن بين دقة التكوين الأكاديمي للمعهد وبين عفوية الفضاء المفتوح يثبت أن أصالة تونس الفنية لا تزال تمتلك مخزوناً بشرياً استثنائياً قادر على فرض حضورها في المشهد العربي والدولي كحارس أمين لروح النغم الطربي وعمقه التاريخي.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *