تتنزل التظاهرات الفنية الكبرى في تونس اليوم خارج الأطر التقليدية للمراكز الحضرية الكبرى، لتصنع لنفسها فضاءات بديلة تعيد صياغة المشهد الثقافي برؤية مغايرة تدمج سحر الجغرافيا بعمق الفكر التجريدي والجمالي. في هذا السياق الرائد، يشرع المركز الثقافي “ريفيوم” بفضاء داروفة، الرابض بين ثنايا مدينتي المعمورة وتازركة بالوطن القبلي، في فتح أبوابه الفلسفية والبصرية لاحتضان المعرض الجماعي الاستثنائي “أصداء حالمة” في الفترة الممتدة من 26 جوان إلى 10 جويلية. لا تبدو هذه المحطة مجرد تجميع اعتيادي للوحات فنية، بل هي بيان تشكيلي جماعي يسعى إلى رصد التحولات العميقة في وعي الفنان التونسي المعاصر، ومحاولته الجادة لاستنطاق الذاكرة الجمعية عبر أدوات حداثية تتجاوز النمطية البصرية نحو آفاق فلسفية أرحب.
إن اختيار فضاء “ريفيوم” كملاذ لهذا الحراك ليس معزولاً عن الدلالة السيميائية للمكان، فالمنطقة المشبعة بملوحة البحر وخضرة الأرض تشكل امتداداً طبيعياً لجدلية الفراغ والامتلاء التي يشتغل عليها المبدعون المشاركون. تلتقي في هذا المعرض تجارب قامات بصرية رائدة وأخرى تجديدية، على غرار باكر بن فرج، بلحسن كشو، كمال كشو، ماجد زليلة، مهدي قريعة، محمد غسان، نجوى عبد المقصود، نعمان قمش، رشيدة عمارة، رؤوف الكراي، وسلوى العايدي. هذا التنوع الجيلي والأسلوبي يمنح المعرض بعداً تحليلياً يفكك مفهوم “الحلم” كآلية للمقاومة الجمالية، حيث تصبح “الأصداء” المذكورة في العنوان بمثابة رجع صدى لأسئلة الوجود، الهوية، والاغتراب التي يعيشها الإنسان المعاصر في مواجهة تحولات الواقع السريعة.
تتوزع الأعمال المعروضة لتخلق حوارية بصرية معقدة بين المدارس الفنية المختلفة، حيث يمتزج التجريد المطلق بالرمزية التعبيرية التي تعيد قراءة الموروث التونسي دون السقوط في فخ الفولكلور الجاهز. يلاحظ المتأمل في هذه اللوحات والمنحوتات كيف يتحول اللون من مادة صبغية إلى وسيط سيكولوجي ينقل هواجس الفنان؛ فتارة تهيمن الألوان الترابية الملتصقة ببيئة الوطن القبلي، وتارة أخرى تتفجر الألوان الباردة لتعكس القلق الفلسفي والبحث عن الخلاص. إنها عملية تشريح بصري للمخيال التونسي، حيث يعيد كل فنان بناء زاويته الخاصة من العالم، ليتحول المعرض في كليته إلى نص بصري واحد، تتعدد فصوله بتعدد اللوحات، لكنه يتوحد في رغبته العميقة في صياغة لغة فنية كونية تنطلق من الخصوصية المحلية وتتجاوزها. في المحصلة، يثبت معرض “أصداء حالمة” أن اللامركزية الثقافية في تونس لم تعد مجرد شعار تنموي، بل أصبحت حقيقة إبداعية تتجسد في فضاءات حرة قادرة على استقطاب أرقى التجارب التشكيلية.
يمثل هذا الحدث فرصة نقدية هامة للمهتمين بالفن المعاصر لتأمل مسارات المحترفات التونسية اليوم، وقراءة الطريقة التي يتشكل بها الخطاب البصري الجديد، حيث ينجح الفن في تحويل المكان السياحي إلى منبر فكري، ويجعل من الحلم أداة يقظة ومعرفة تفكك ثنائيات الماضي والحاضر، وتؤسس لوعي جمالي متجدد يليق براهن الإبداع التونسي وتطلعاته المستقبلية.