جليلة كلاعي تونس
حين يمتزج عبق التاريخ القرطاجي بألق الفن الركحي الحديث، تولد لحظة استثنائية تتجاوز حدود الجغرافيا لتصنع حدثاً ثقافياً يتردد صداه عبر القارات.
هذا بالضبط ما شهدته الضاحية الشمالية للعاصمة التونسية في فضاء “السينمدار” بقرطاج، حيث لم يكن إسدال الستار على فعاليات الدورة الثانية عشرة وطنيّاً والأولى دوليّاً من “أيام 77 المسرحية” مجرد ختام لمهرجان عابر، بل إعلان صريح عن ولادة وجهة جذب سياحي ثقافي من الطراز الرفيع،
نجحت في تحويل الفن الرابع إلى جسر متين يربط بين شعوب المتوسّط والوطن العربي. إن هذا التحول الاستراتيجي من الفضاء المحلي الضيق إلى الأفق الدولي الرحب، تحت قيادة الفنان معز القديري وإدارة عفراء قعدان، يمثل قراءة عميقة لكيفية استثمار الرأسمال الرمزي في صناعة سياحة بديلة، لا تكتفي بتقديم الشواطئ والمنتجعات، وإنما تقدم الفكر والجمال في قالب إبداعي متجدد.

تكتسب هذه الدورة أهميتها الكبرى من خلال قدرتها الفائقة على تفكيك المشهد الإنساني الراهن وإعادة ترصيصه فوق الركح، حيث غدت الخشبة التونسية مختبراً حيّاً لمعالجة الهواجس الكونية المشتركة.
لقد تماهت عروض الشباب الفردية مثل “أدراستيا” و”عالحد” وصولاً إلى العرض ثنائي اللغة “Le silence des agneaux”، لتثبت أن لغة الجسد والتعبير المسرحي هي لغة عالمية بامتياز، قادرة على استقطاب السائح النخبوي الباحث عن عمق التجربة الفكرية.
ولم يتوقف الأمر عند حدود العروض الفردية، بل امتد ليعالج التشظي الأسري والاجتماعي في العرض الجماعي “Schisme” المستوحى من عوالم برنار ماري كولتِس، مما أضفى على المهرجان صبغة الفلسفة الإنسانية التي تلغي المسافات بين الشعوب وتخلق فضاءً حوارياً تتلاقى فيه الثقافات العربية والغربية على أرض تونس الخضراء.




