آخر الأخبار

أصداء الماضي تعبر الضفة الأخرى: حين يخلع مسرح قرطاج عباءة المهرجان الكلاسيكي

شارك

جليلة كلاعي تونس

تخيل أن تقف في مواجهة ريح المتوسط، على ذات المدرجات التي شهدت صخب التاريخ الروماني وخطوات حنبعل، لتكتشف أن الثقافة لم تعد حكراً على منصات النخبة الرسمية، بل أصبحت فضاءً مفتوحاً تتقاسمه الهوية والاستثمار الإبداعي. هذا التحول ليس مجرد فرضية، بل هو الواقع المتجدد الذي تصنعه تونس اليوم عبر تظاهرة “خارج قرطاج” (Carthage Off)، الحدث الثقافي البارز الذي يمتد من أواخر أغسطس وحتى منتصف سبتمبر.
إنها خطوة تتجاوز مفهوم العرض الفني العابر إلى صياغة فلسفة جديدة لإدارة التراث الثقافي والاستثمار في الذاكرة الحية للمكان.
في العمق، تمثل هذه التظاهرة، المدعومة بإشراف حكومي مباشر، نقطة تحول جوهرية في كيفية تعاطي العالم العربي مع معالمه الأثرية.
فالمسارح التاريخية لم تعد مجرد “خلفيات جامدة” لصور السائحين أو ديكورات لمهرجانات دولية مغلقة، بل تحولت إلى مراكز إنتاج حيوية تتفاعل مع الجمعيات والشركات الخاصة.
إن فتح باب الترشح للقطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني للمساهمة في تأثيث هذا الفضاء الأثري العريق يعكس رغبة حقيقية في كسر نمطية التسيير البيروقراطي للمشهد الثقافي، والاتجاه نحو “شراكة ذكية” تضمن ضخ دماء جديدة ورؤى معاصرة في عروق الحجارة القديمة، مما يمنح الفعل الثقافي بعداً ديمقراطياً وأفقاً اقتصادياً واعداً.

هذا التوجه التحليلي يقودنا مباشرة إلى قراءة البعد السياحي العميق لتظاهرة “خارج قرطاج”، حيث تلتقي “سياحة الآثار” بـ “سياحة الفعاليات” في توليفة بصرية وحسية نادرة.
إن اختيار هذا التوقيت بالذات، الذي يواكب نهايات فصل الصيف، يمثل ذروة الذكاء الاستراتيجي لتمديد الموسم السياحي وجذب نوعية خاصة من المسافرين الباحثين عن الأصالة والتجارب الثقافية الغامرة.
السائح العربي والأجنبي اليوم لم يعد يكتفي بالاستهلاك السلبي للمنتج السياحي، بل يبحث عن “قصة” يعيشها داخل المعلم، وهو تماماً ما تتيحه هذه المبادرة عبر تحويل المدرجات الرومانية الصامتة إلى مسرح مفتوح للتعبيرات الفنية المستقلة والمبتكرة.
ختاماً، يمكن القول إن “خارج قرطاج” هي رسالة تونسية متجددة إلى العالم، مفادها أن الاستثمار في الإرث الإنساني لا يتناقض مع الحداثة، بل يتكامل معها.


إنها دعوة مفتوحة لكل المبدعين وصناع الثقافة لصياغة مشهد فني يليق بعظمة المكان، ودعوة موازية لعشاق السفر لاكتشاف وجه تونس الثقافي في أبهى تجلياته، حيث التاريخ لا يُقرأ في الكتب فحسب، بل يُعاش ويُسمع صداه تحت ترانيم ليالي قرطاج الساحرة.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *