لم يعد رأس المال يبحث عن الربح السريع، بل بات يُفّتش عن البيئة التي تمنحه البقاء والأثر؛ وفي قلب هذا التحول العالمي، أثبتت تونس مجدداً أنها ليست مجرد محطة عابرة في جغرافيا الاستثمار، بل منصة حيوية قادرة على إعادة صياغة مفاهيم النمو والتطور. في افتتاح الدورة الثانية والعشرين لـ “منتدى تونس للاستثمار”، لم يكن المشهد مجرد بروتوكول رسمي لجمع الفاعلين الاقتصاديين، بل تحول إلى بيان عملي يُعلن نضج الرؤية التونسية القائمة على الموازنة الدقيقة بين الجاذبية المالية والمسؤولية الإنسانية. ومن خلال منصة تتطلع بثقة نحو عام 2026، جسّد إسناد 13 جائزة تميز لشركات ومستثمرين وشركاء تنمويين، اعترافاً استراتيجياً بالدور المحوري للقطاع الخاص في قيادة قاطرة الإصلاح والتطوير، وتحويل التحديات الهيكلية إلى فرص واعدة تؤسس لاقتصاد أكثر مرونة واستدامة. إن تكريم هذه النخبة من المؤسسات، بحضور حكومي رفيع وتحت إشراف وزارة الاقتصاد والتخطيط وبشراكة دولية وثيقة مع البنك الإفريقي للتنمية، يعكس تحولاً عميقاً في الفلسفة التونسية لإدارة الاستثمار الخارجي. فلم تعد الأرقام وحدها هي المقياس، بل أصبحت القيمة المضافة، والقدرة التشغيلية، ومستوى الإدماج التكنولوجي، ومدى الالتزام بالمعايير البيئية والاجتماعية، هي المحددات الأساسية لبناء الشراكات المستقبلية. ويتجلى هذا البعد التحليلي في نوعية المؤسسات المتوّجة، حيث برزت صناعات المستقبل كعنوان عريض للمرحلة، بدءاً من برمجيات القطاع المالي والبنكي مع قصة النجاح العالمية “فيرميغ”، وصولاً إلى مجمعات كوابل السيارات مثل “أوتو إليكتريك” الألماني، والنسيج الذكي الموجه للمستلزمات الطبية الدقيقة مع “ثوان تونس”. هذا التنوع القطاعي يثبت أن تونس نجحت في الانتقال من مربع الأنشطة التقليدية منخفضة الكلفة إلى مربع الإنتاج المعرفي والتقني عالي الكثافة.
في عمق هذا المشهد، يتكشف وعي تونسي متزايد بأهمية تنويع الروافد الاقتصادية وتعزيز المقاربة التشاركية. ولم يكن منح جوائز متخصصة في ريادة الأعمال النسائية أو تكريم دور الجالية التونسية بالخارج عبر غرف التجارة والصناعة المشتركة، مجرد لفتة تكريمية عابرة، بل هو اعتراف ببنية مجتمعية متكاملة تدعم الاقتصاد. إن إشراك الكفاءات النسائية والمستثمرين المغتربين يمثل استغلالاً ذكياً لرأس المال البشري الذي يمثل الميزة التنافسية الأبرز لتونس في المنطقة. هذا التمكين المتبادل يخلق بيئة أعمال مرنة وقادرة على الصمود أمام الهزات الاقتصادية العالمية، حيث يتحول المستثمر من مجرد ممول خارجي إلى شريك حقيقي في التنمية المحلية، يسهم في نقل الخبرات وتوطين التكنولوجيا الحديثة.
يتجاوز هذا التكريم الواسع أبعاده الرمزية ليرسل رسالة طمأنة بالغة الأهمية لأسواق المال والأعمال الدولية حول جاهزية تونس واستقرار مناخها الاستثماري. في وقت يتنافس فيه العالم على جذب رؤوس الأموال الشحيحة، تقدم تونس نموذجاً يعتمد على الحوكمة والابتكار وتسهيل الإجراءات، وهو ما ترجمه المنتدى بوضوح عبر طرح آليات رقمية ومشاريع كبرى تعزز الشفافية.
إن الرهان التونسي اليوم، الذي تدعمه هذه الدورة الاستثنائية، يتركز على تحويل هذه النجاحات الفردية للمؤسسات المتوجة إلى تيار اقتصادي عام، يعيد صياغة الهوية الاستثمارية للبلاد كبوابة استراتيجية لا غنى عنها نحو القارة الإفريقية والفضاء الأوروبي، ويؤكد أن الاستثمار الحقيقي هو ذلك الذي يترك أثراً مستداماً في الأرض وفي حياة الشعوب.