آخر الأخبار

تفكيك شيفرة التنوع: كيف يعيد الإعلام الرقمي صياغة الهويات والهجرة في الفضاء العربي

شارك

جليلة كلاعي تونس

في عصر تذوب فيه الحدود الجغرافية خلف الشاشات الزجاجية، وتتحول فيه المجتمعات العربية إلى ساحات مفتوحة لثقافات وافدة وأخرى مغادرة، لم يعد الإعلام مجرد ناقل للأخبار، بل تحول إلى مصنع ميكروسكوبي يعيد تشكيل الهوية الجماعية.
لم تعد “الهجرة” مجرد انتقال جسدي عبر الحدود، بل أصبحت تجربة تواصلية وثقافية معقدة تجري تفاصيلها في الفضاء السيبراني.

من هذا المنطلق، يأتي المؤلف الجماعي الجديد “الإعلام وقضايا الاندماج والتنوع في العالم العربي: الهجرة، العولمة والرقمي” ليميط اللثام عن طبقات خفية من التحولات الديمغرافية والاجتماعية التي تعصف بالمنطقة، مقدماً عبر دراسات أنجزها سبعة عشر باحثاً تشريحاً نقدياً لواقع يقع في التماس بين صراعات البقاء الثقافي وطغيان العولمة الجارفة.
يتجاوز هذا المنجز الفكري الطرح السطحي السائد حول وسائل التواصل الاجتماعي ليعالجها كبنى هيكلية تؤسس لما يمكن تسميته بـ “العصبية الرقمية”.

إن فحص آليات تكتل العمالة المهاجرة في دول الخليج العربي، مثل قطر والكويت والإمارات، والعمالة اليمنية في السعودية، يكشف عن مفارقة صارخة؛ فالأدوات الرقمية التي وُجدت لتعزيز الاندماج الكوني، تحولت في كثير من الأحيان إلى حصون تكنولوجية يلجأ إليها المهاجرون للحفاظ على خصوصياتهم الثقافية واللغوية ومقاومة التهميش.
من هنا، يصبح المشهد الإعلامي متعدد اللغات في هذه الحواضر الاقتصادية بمثابة مرآة تعكس توازنات قوى ناعمة صامتة، حيث يسعى الإعلام المحلي لاستيعاب هذا التنوع تارة، وحماية الهوية الوطنية السائدة تارة أخرى، مما يخلق فضاءً عمومياً هجيناً يعاد تعريفه يومياً بموجب خوارزميات رقمية لا تعترف بالحدود التقليدية.

في المقابل، يتجه التحليل نحو عمق الأزمات البنيوية في دول المشرق والمغرب العربي ليفكك علاقة الإعلام بالأقليات والمجتمعات المحلية.
إن مقاربة المشهد في السودان والعراق تضعنا أمام التحدي الوجودي الذي يواجه الهويات الوطنية المتشظية، حيث يتحول الإعلام من أداة لتعزيز التماسك والاندماج إلى مساحة لإعادة إنتاج الصراعات الديمغرافية وإعلاء صوت “الهوامش” في مواجهة المركز.

وفي السياق المغاربي، يقدم الكتاب قراءة معمقة لخطاب الإعلام الأمازيغي في الجزائر وقدرته على الصمود والتعبير عن التعدد، بالتوازي مع قراءة تفكيكية للخطاب الإعلامي العربي تجاه قضايا “هجرة العبور” القادمة من جنوب الصحراء، وهي الإشكالية المعقدة التي تحولت بفعل العولمة إلى ورقة ضغط سياسية واجتماعية تعيد تشكيل صورة الآخر في الوعي الجمعي المغاربي.

إن القيمة المعرفية الكبرى لهذا العمل الجماعي تكمن في قدرته على صياغة رؤية نقدية تخرج عن الأطر النظرية الغربية الجاهزة لتواجه الخصوصية السوسيولوجية العربية.
يخلص الكتاب في عمقه إلى أن إدارة التنوع والاندماج في المستقبل العربي لن تنجح بإنكار الخصوصيات أو بتبني عولمة رقمية مسطحة، بل عبر سياسات إعلامية واعية قادرة على تفكيك خطابات الإقصاء، وإعادة بناء الفضاء الرقمي ليكون جسراً للتعايش لا خندقاً للمواجهة.


إنه دعوة مفتوحة للمؤسسات وصناع القرار لإعادة قراءة المتغيرات التواصلية، والاعتراف بأن الهوية العربية المعاصرة لم تعد قالباً جامداً، بل صيرورة ديناميكية تتشكل ملامحها في التقاطع المعقد بين واقع الهجرة وافتراضية الرقمي.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *