آخر الأخبار

بين أصالة الموروث وعولمة الابتكار: تونس تصيغ مستقبل تنميتها المستدامة من بوابة الحرف المهددة بالاندثار

شارك

جليلة كلاعي تونس

تثبت تونس مجدداً أن تراثها الحي ليس مجرد بطاقة بريدية تذكارية أو شواهد من الماضي، بل هو عصب اقتصادي نابض وقاطرة حقيقية نحو مستقبل مستدام.


في مشهد يختزل تلاقي الرؤية الرسمية بالدعم الدولي، شكل موكب تسليم جوائز اليونسكو، برئاسة وزير السياحة سفيان تقية وبحضور ممثل المنظمة للمغرب العربي شرف إحميمد، محطة استراتيجية تتجاوز البعد الاحتفالي لتطرح مقاربة عملية حول كيفية تحويل الموروث الثقافي غير المادي إلى مورد سيادي يخلق الثروة وفرص العمل.
إن هذا الحدث، الذي يندرج ضمن مشروع دعم دور الثقافة في التنمية المستدامة، يمثل إعلاناً صريحاً عن انتقال الدولة التونسية من مرحلة “الحفاظ السلبي” القائم على حماية الآثار، إلى مرحلة “الاستثمار النشط” الذي يجعل من الحرفة التقليدية محركاً للتنمية الشاملة والعادلة ومصدراً للابتكار التكنولوجي والأكاديمي.

يتجلى العمق التحليلي لهذه الاستراتيجية في النقلة النوعية التي تشهدها منظومة التكوين والتأهيل في تونس، حيث لم تعد الصناعات التقليدية مهنة توارثية مغلقة، بل جرى إدماجها هيكلياً ضمن مسارات التعليم المهني والأكاديمي.

هذا الربط الذكي مكن خلال عام 2025 من تسجيل قفزة نوعية بزيادة بلغت 20% في عدد المنتفعين ليصل إلى أكثر من 13 ألف مستفيد، مما أفرز جيلاً جديداً من المستثمرين الشبان المسلحين بالمعارف الأكاديمية والتكنولوجيات الحديثة.


هؤلاء الشباب نجحوا في ضخ دماء جديدة في القطاع عبر تطوير التصاميم وعصرنتها دون المساس بهويتها الأصلية، وهو ما يفسر الرهان المتزايد على مراكز الابتكار والتصميم، مثل المركز الذي افتتح مؤخراً في ولاية القصرين، كحواضن ومختبرات ترفع من القيمة التنافسية للمنتج التونسي وتؤهله لاختراق الأسواق العالمية الحالية.

ولأن عولمة الأسواق تفرض تحديات كبرى تتعلق بالقرصنة والتقليد، فإن العمق الحمائي للاقتصاد الثقافي التونسي بات يستند اليوم إلى ترسانة من آليات الملكية الفكرية، وتطوير تسميات المنشأ، وعلامات الجودة المطابقة للمعايير الدولية.
هذه الخطوة القانونية والتسويقية لا تحمي حقوق الحرفيين فحسب، بل تمنح المنتج الوطني هوية موثوقة ترفع من قيمته المادية والمعنوية عند التصدير، مما يدعم ميزان المدفوعات ويخلق تنمية جهوية متوازنة.


ويتوج هذا الفكر الاقتصادي والاجتماعي بتكريم الرمزية الإنسانية للقطاع، وهو ما تجسد في الاحتفاء بسبعة من سدنة التراث وحراسه في اختصاصات مهددة بالاندثار، من طريزة قرقنة الدقيقة وفخار قلالة العريق، إلى صناعة السرج، والنحت على الجبس، والبريق والتذهيب، وصنع الحصير، وقرمود تستور الأندلسي، ليؤكد الموكب أن حماية مهارات هؤلاء الحرفيين ونقلها للأجيال القادمة هو الضمانة الأساسية لاستمرار الهوية التونسية كعنصر جذب سياحي واقتصادي لا ينضب.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *