في وقتٍ تلوذ فيه جلّ الفضاءات الثقافية بالصمت معلنةً بياتاً صيفياً رتيباً، تبدأ العاصمة التونسية بالتنفس شعراً وحركةً، وتفتح نوافذها على مصراعيها لاستقبال هجرة من نوع خاص. هجرة لا تغادر الأوطان، بل تسافر عميقاً في تفاصيل الذات الإنسانية عبر خشبة المسرح. هكذا يطل علينا “موسم الهجرة إلى المسرح” في نسخته المتجددة من الثامن والعشرين من جوان وحتى الثامن عشر من جويلية، ليثبت مجدداً أن الفن في تونس ليس ترفاً موسمياً، بل هو ضرورة وجودية وفعل مقاومة يومي ضد السطحية والنسيان. يكتسي هذا الحدث، الذي يحتضنه فضاء “التياترو” العريق، أهمية بالغة تتجاوز مجرد تقديم عروض فرجوية، إلى كونه مختبراً حياً تتلاقح فيه الأجيال وتتشكل فيه ملامح المسرح التونسي المعاصر، حاملةً بصمات المخرج الفذ الفاضل توفيق الجبالي الذي يواصل صياغة الرؤية الفنية لهذا الصرح الفني بجرأة معهودة وبصيرة نافذة لا تخطئ بوصلة التميز.
يتميز هذا الموسم ببنية تنظيمية وفكرية تعكس وعياً عميقاً بتركيبة المجتمع وتطور الوعي الجمعي، حيث تنقسم البرمجة إلى فترتين متكاملتين تؤسسان لعلاقة مستدامة مع الجمهور بشتى فئاته. تنطلق المرحلة الأولى لتستهدف اليافعين والأطفال في رسالة مبطنة تؤكد أن صناعة المتفرج الواعي تبدأ من المراحل المبكرة، وأن المسرح ليس تلقيناً بل هو فضاء حر لبناء الشخصية النقدية وتوسيع مدارك التخييل، تليها مباشرة مرحلة عروض الشباب والكهول التي تطرح إشكاليات معقدة وتغوص في قضايا الراهن بروح نقدية لا تهادن. هذا الفصل المدروس لا يعني التجزئة، بل يمثل حلقة متصلة تنقل المتلقي من دهشة الطفولة إلى نضج الأسئلة الوجودية، محولاً “التياترو” إلى منصة للحوار الفكري الجاد الذي يتجاوز جدران القاعة المظلمة ليمتد إلى المقاهي والشوارع المحيطة بالفضاء، محركاً للركود الثقافي والاجتماعي.
خلف هذا التوهج الركحي، يقف جهد جبار من التأطير الأكاديمي والعملي تشرف عليه نخبة من ألمع الأساتذة والمسرحيين التونسيين من طينة نوفل العزارة، هيكل الرحالي، وليد العيادي، فاطمة الفالحي، منير العماري، أسامة الماكني، صبري عبد اللاوي، ياسمين الديماسي، ويسرى عموري. إن هذا التنوع في المدارس الإخراجية والتدريبية يمنح المهرجان ثراءً جمالياً فريداً، حيث تلتقي الخبرة الأكاديمية الصارمة بالروح الشبابية المتمردة، وينعكس ذلك على خشبة المسرح في صورة تجارب مختبرية تتأرجح بين الكلاسيكية والتجريب الحداثي. لا يقتصر دور هؤلاء المؤطرين على تلقين تقنيات الأداء أو مخارج الحروف، بل يتعداه إلى غرس قيم الالتزام الفني وتدريب الأجساد والقرائح على صياغة مواقف نقدية من الواقع، مما يجعل من “موسم الهجرة إلى المسرح” مدرسة حقيقية لتخريج جيل جديد من المبدعين القادرين على قيادة قاطرة الفن الرابع في تونس والعالم العربي.
أما على الصعيد اللوجستي والتفاعلي، فإن التجربة الاقتصادية والثقافية التي يطرحها الفضاء عبر “اشتراك المئة وخمسين ديناراً” لعشرة عروض، تمثل استراتيجية ذكية لدمقرطة الثقافة وجعل الفن النخبوي متاحاً لشرائح أوسع من الشغوفين. هذا الخيار الذكي لا يعكس فقط مرونة تسويقية، بل يحمل بعداً نضالياً يرفض تحويل المسرح إلى سلعة فاخرة، ويعزز من مفهوم “المتفرج الوفي” الذي يواكب الرحلة الإبداعية بكامل تفاصيلها وتحولاتها طيلة الأسابيع الثلاثة.
إن “موسم الهجرة إلى المسرح” في فضاء “التياترو” يؤكد مرة أخرى أن تونس تظل حارسة الإبداع ومهد التجديد الثقافي، حيث تتحول الهجرة على يد مبدعيها من مرادف للاغتراب والضياع إلى مرادف للعودة إلى الجذور والارتماء في أحضان الفن الباقي ما بقي الإنسان.