آخر الأخبار

أيقونة الطقوس والتاريخ: سبيطلة تقرع طبول الفرح العسكري على إيقاع رؤوف ماهر

شارك

جليلة كلاعي تونس

حين يمتزج صمود الحجر الأثري بجلال الواجب الوطني، تذوب الهوية التونسية في بودقة من الفخر والجمال، هذا تمامًا ما حدث في قلب “سوفيتولا” القديمة، حيث لم يكن المسرح الأثري بسبيطلة مجرد ركح منسي من ركامات التاريخ، بل تحول إلى منبر نابض بروح الحاضر.
في ليلة استثنائية امتزج فيها عبق الماضي بقدسية الحاضر، احتفت ولاية القصرين بالذكرى السبعين لانبعاث الجيش الوطني التونسي، في رسالة مشفرة بجماليات الفن وعمق الانتماء، تؤكد أن حماة الديار هم حراس الحلم والثقافة والوجود.
هذا الحدث الذي يتجاوز أبعاده الترفيهية العابرة، يمثل تجسيداً حياً لسينوغرافيا الذاكرة الجماعية التونسية، حيث يلتقي الجيش التونسي بعمقه التاريخي الذي يعود لعام 1956، مع الجماهير التي رأت في هذه الاحتفالية تكريماً لمؤسسة لطالما كانت صمام الأمان للبلاد.

لم يكن اختيار سبيطلة، برمزيتها التاريخية الضاربة في القدم كحاضنة لحضارات تعاقبت على أرض تونس، عفوياً بالمرة، بل هو استدعاء لوعي سياحي وثقافي يربط بين حماية الحدود وحماية الهوية الثقافية.
وفي هذا الفضاء المهيب، تماهى صوت الفنان رؤوف ماهر مع صدى الأعمدة الرومانية الشامخة، ليشعل حماسة مدرجات غصت بآلاف الحاضرين الذين توحدوا خلف نداء الوطن.
نجح ماهر، بذكائه الفني المعهود، في توظيف الموروث الغنائي البدوي والشعبي، معيداً صياغة الألحان التراثية بأسلوب يحاكي تطلعات الأجيال الجديدة، وكأنه ينسج رابطاً غير مرئي بين تضحيات الجنود المرابطين على الجبال المحيطة بالقصرين، وبين الفرح المستحق الذي يصر التونسيون على صناعته تحت رعاية تعاونية الجيش الوطني ووزارة الشؤون الثقافية.

العمق التحليلي لهذه السهرة يتجلى في اللحظة التي اعتلى فيها ابن الجهة، الفنان نور الدين الشابي، المسرح ليتشارك مع رؤوف ماهر في “دويتو” غنائي لامس شغاف القلوب، وهي لفتة فنية تختزل أبعاد التضامن العضوي بين أبناء السباسب التونسية وفنانيهم الإيجابيين.
هذا التناغم الثقافي لم يكن مجرد طرب، بل كان بياناً رمزياً يوضح كيف يمكن للمهرجانات السياحية والثقافية أن تتحول إلى أدوات للمقاومة الثقافية وإحياء التراث المادي واللامادي.


إن إحياء سبعينية الجيش الوطني من فوق ركح سبيطلة يبعث برسالة قوية إلى العالم العربي والغربي معاً، مفادها أن تونس آمنة، مستقرة، وتملك من المقومات الحضارية ما يجعل من جبالها وسهولها وفنونها نقاط جذب سياحي وثقافي لا تنضب، حيث تولد من رحم الأزمات ملاحم من الفرح والاعتزاز بالذات الوطنية.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *