جليلة كلاعي تونس
تسافر بك جزيرة جربة التونسية في رحلة عبر الزمن، حيث تنصهر العمارة البيضاء الفريدة بالرمال الذهبية لتشكل لوحة حية شاهدة على عبقرية الإنسان في التأقلم مع مجاله الجزيري.
هذا المكان الذي لم يكن يوماً مجرد وجهة سياحية عابرة، بل مختبراً حياً للتعايش وصون الهوية، يعيش اليوم منعطفاً تاريخياً حاسماً بعد إدراج ممتلكه الثقافي على قائمة التراث العالمي لليونسكو.
ولم يكن هذا الاعتراف الدولي مجرد شهادة فخر علقت على جدران مساجدها وأحواشها التقليدية، بل تحول إلى قوة دفع حقيقية وقودها الوعي الجمعي والشراكات الاستراتيجية.
ويتجلى هذا بوضوح في اختتام مشروع “تشريك الفاعلين المحليين في الحفاظ المستدام على التراث العالمي بجربة”، وتدشين “مركز تأليفي جربة” بمتحف التراث التقليدي بحومة السوق، في خطوة تعكس عمق التحول الديمقراطي في إدارة الموروث الثقافي والانتقال به من الرعاية الرسمية الفوقية إلى التبني الشعبي الواعي.

إن التحليل المتعمق لهذه التجربة التونسية الرائدة، الممتدة بين سنتي 2024 و2026 بالتعاون مع منظمة اليونسكو ومؤسسة بسرور الخيرية، يكشف عن رؤية فلسفية جديدة تخرج بالتراث من بوتقة “الماضي الجامد” إلى أفق “المستقبل المستدام”.
لم يعد الحفاظ على المعالم التاريخية الـ 31 المصنفة بالجزيرة مجرد عملية ترميم هندسية للحجارة والأسوار، بل أضحى عملية حية لإعادة صياغة العلاقة بين المواطن وبيئته المحيطة.
يعكس هذا التوجه إيماناً راسخاً بأن السياحة الثقافية الحقيقية لا يمكن أن تزدهر دون مجتمعات محلية قوية ومشاركة فعالة تصنع القرار وتساهم في حماية موروثها. من هنا، يأتي “مركز تأليفي جربة” ليكون منارة معرفية ومنصة تنسيقية تجمع الخبراء بالعامة، والمستثمرين بالصناع التقليديين، لخلق ديناميكية اقتصادية واجتماعية تحول الإرث التاريخي إلى رافعة للتنمية المحلية ومحرك أساسي للاقتصاد الأخضر والدائري في الجزيرة.

وتكتسب هذه التجربة عمقها الاستراتيجي من خلال المراهنة على أجيال المستقبل، وهو ما تجسد في الاحتفاء بالمبادرات الشبابية في مركز “إليف” بالرياض، حيث تحول تلاميذ المعاهد الثانوية إلى حراس جدد للتراث اللامادي من خلال صناعة محتوى رقمي يحاكي لغة العصر.
هذه المسابقة للفيديوهات القصيرة لم تكن نشاطاً مدرسياً عابراً، بل عملية نقل واعية للذاكرة الجماعية، حيث امتزجت أصالة الحكاية الجربية بتقنيات الإخراج الحديثة، مما يضمن تدفق هذا الموروث في عروق الأجيال القادمة ويحميه من الاندثار أو التشويه.
إن الانتقال السلس للإشراف على هذا الإرث، وتوقيع اتفاقية المرحلة الثانية للمشروع، يؤكد أن جربة لا تحمي ماضيها فحسب، بل تصيغ بذكاء علامتها السياحية العالمية المستقبلية.

علامة قوامها السياحة الفلسفية التضامنية التي تحترم خصوصية المكان وتنشد ديمومته، لتظل “جزيرة الأحلام” نموذجاً ملهماً لكيفية تحويل التراث العالمي إلى ثروة حية تنبض بالحياة والتنمية.





