جليلة كلاعي تونس
من عمق السكون الذي خيّم على رُبى “بلاد المرجان” لست سنوات عجاف، انبعثت من جديد تلك النغمة العتيقة المشبعة برائحة البحر والقرنفل، لتعلن أن مدينة طبرقة التونسية لا تجيد النسيان، بل تتقن حياكة الصبر انتظارا للحظة الانعتاق الإبداعي الأجمل.
على ضفاف المتوسط، وتحت ظلال صخرة القلعة الجنوية الشامخة، لم يكن افتتاح الدورة العشرين لمهرجان طبرقة الدولي للجاز مجرد استئناف لحدث فني عابر، بل كان بمثابة إعلان استرداد للهوية الثقافية والسياحية لجهة طالما اعتبرت موطن “السمار والأنغام الحرّة”.
حضور وزيرة الشؤون الثقافية التونسية لقص شريط هذه العودة من فضاء “المسرح البحري” الجديد، يمنح الحدث بعدًا يتجاوز الترفيه، ليتحول إلى استراتيجية وطنية واعية تسعى لإعادة وضع الشمال الغربي التونسي على خارطة السياحة الثقافية العالمية، مستندة إلى إرث موسيقي ضارب في التاريخ منذ سبعينيات القرن الماضي.

هذا البعث الجديد يقدم قراءة تحليلية عميقة للتحولات اللوجستية والفلسفية التي صاحبت المهرجان في حلته المعاصرة؛ فلأول مرة في تاريخه، يغادر المهرجان عباءة مسرح “البازيليك” الأثري الكلاسيكي ليحتضنه “المسرح البحري” المفتوح على أفق المتوسط اللامتناهي.
هذا الانتقال الجغرافي ليس مجرد تغيير في جدران العرض، بل هو إعادة صياغة للعلاقة البصرية والسمعية بين الموسيقى والطبيعة، حيث يمتزج صخب أمواج البحر وهديرها بإيقاعات الـ “البلوز” والـ “السينغ”.
إن الذكاء التنظيمي لهذه الدورة تجلى في كسر النمط النخبوي السائد للمهرجانات الكبرى، من خلال المزاوجة بين العروض التجارية الكبرى داخل الفضاء المغلق، وعروض “جاز الشارع” المجانية النابضة بالحياة وسط أزقة المدينة الثائرة بالألوان، مما يحول طبرقة بأكملها إلى مسرح مفتوح يلغي الحواجز الطبقية والثقافية بين السائح الأجنبي والواطن المحلي.




