لا أدري لماذا كل هذا التعاطف والحب لمنتخب مصر من السعوديين. لم أجد السعودي يشجع منتخبًا بعد بلده كما يشجع المنتخب المصري. لا أعرف كيف تولد هذا الشعور فينا بحب مصر.
حينما لعبت مصر مع أستراليا كنت في جدة، وشعرت وكأننا في مصر؛ اشتعلت المقاهي والشوارع فرحًا بانتصار مصر على أستراليا.
تأملت التاريخ، وتذكرت حادثة عمرو بن العاص مع عمر بن الخطاب، حين كان متوجهًا لفتح مصر. وتذكر بعض الروايات أن ذلك كان بطلب من أقباط مصر، حين كانوا يعيشون تحت اضطهاد حكامهم البيزنطيين. وخشي عمر بن الخطاب على جيش المسلمين من البيزنطيين، فكتب رسالة إلى عمرو بن العاص يأمره فيها بالرجوع.
وصلت الرسالة إلى عمرو بن العاص، فتوقع أن تكون الرساله امر بالتراجع فتجاهلها ولم يفتحها ، وكان حينها على أبواب مصر. فدخلها فاتحًا، وسحق البيزنطيين، وساعده المصريون على ذلك لما عانوه من اضطهاد البيزنطه. وكان الخلاف آنذاك خلافًا دينيًا بين الكنيسة البيزنطية والكنيسة القبطية، وقد نفى البيزنطيون البطريرك بنيامين، وحين دخل المسلمون مصر أعاد عمرو بن العاص البطريرك بنيامين من منفاه، وأعان الكنيسة القبطية على ممارسة طقوسها الدينية دون قيد أو شرط، وكان ذلك سنة 640م.
وعودة إلى رسالة عمر بن الخطاب، فلما سأله عمر عنها قال: «وصلتني متأخرة يا أمير المؤمنين»، فتبسم عمر، وكان يعرف دهاء عمرو بن العاص.
وتخيلوا لو أن عمرو بن العاص قرأ الرسالة وأطاع عمر ورجع، ولم تُفتح مصر، لبقيت مصر تحت الحكم البيزنطي. تخيلوا كم كنا سنخسر نحن العرب!
لقد كانت مصر إضافة عظيمة لأمتنا العربية، وهل يخفى على أحد ما قدمته مصر من علماء ومفكرين ورجال دين؟
في الأدب والفكر:
• نجيب محفوظ، أول عربي يفوز بجائزة نوبل في الأدب. • طه حسين. • عباس محمود العقاد. • مصطفى صادق الرافعي. • أحمد شوقي، أمير الشعراء.
في الطب والعلوم:
• مجدي يعقوب. • أحمد زويل، الحائز على جائزة نوبل. • مصطفى مشرفة.
وكنا سنفقد محمد عبد الوهاب، وأم كلثوم، وكنا سنفقد حصنًا من حصون الردع والقوة في مواجهة دولة غاشمة كإسرائيل. وكنا لن نعرف الشيخ الشعراوي، أو نستمع إلى عبد الباسط عبد الصمد في تلاوته الأسطورية للقرآن الكريم، وكنا سنفقد الأزهر الشريف وما أخرجه للأمة من علماء وفقهاء. ويصعب أن أحصر كل شيء، ولكننا كنا سنفقد خيرًا عظيمًا لو أن عمرو بن العاص نفذ ما جاء في رسالة عمر بالتراجع عن الفتح.
وحين استفز البعض الشيخ الشعراوي، وحاولوا التقليل من قيمة مصر 🇪🇬، قال كلمته الشهيرة:
«مصر التي قال عنها رسول الله ﷺ إن أهلها في رباط إلى يوم القيامة… مصر التي يتجرأ بعض الناس فيقولون عنها إنها أمة كافرة! مصر التي صدرت الإسلام إلى الأمة كلها، حتى إلى البلد الذي نزل فيها الإسلام. مصر التي صدرت علماء الإسلام إلى الدنيا كلها. وانظروا من الذي وقف أمام همجية التتار فحمى الإسلام؟ إنها مصر. ومن الذي رد الهجمة الصليبية عن الإسلام والمسلمين؟ إنها مصر. وستظل مصر رغم أنف كل حاقد، وكل حاسد، وكل مستغل، وكل مدفوع من خصوم الإسلام هنا أو خارجها.»
وحين زار الرئيس أنور السادات إسرائيل فجأة، قال البعض: إن مصر ليست عربية أصلًا! فرد السادات بغضب شديد في إحدى خطبه بكلمته المعروفة:
«نحن أصل العرب، فأمكم هاجر مصرية، فنحن في درجة أخوالكم.»
فعانق العرب مصر مرة أخرى.
واختلف الناس في السادات، بل حتى المصريون أنفسهم؛ فمنهم من قال: إن سيناء رجعت كاملة، وصدحت شادية بأغنيتها الشهيرة: «سينا رجعت كاملة لينا… مصر اليوم في عيد». وقال آخرون إنه منح إسرائيل الأمان، بعد أن كانت تعيش في رعب دائم من مصر وجيشها. لكن للسادات وجهة نظر أخرى، إذ كان يقول: علينا أن نلتفت إلى البناء، فقد أرهقتنا الحروب.
مصر ستبقى دائمًا قلب العروبة النابض، وعنوان المجد الذي لا يغيب.