عبدالفتاح هداني السياحة العربية – المملكة المغربية
بعد مرور عشرين عاما على اعتماد اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، يقف الحراك العالمي المعني بحقوق الإعاقة أمام منعطف تاريخي غير مسبوق. لطالما اعتبرت هذه الاتفاقية الثورة القانونية والإنسانية الأبرز؛ إذ نقلت مفهوم الإعاقة من سياقات الإحسان والرعاية الطبية إلى مستويات الحقوق والمواطنة والكرامة الإنسانية. ولكن، في الوقت الذي تبدو فيه الدول منشغلة تارة بإنفاذ بنود هذه الاتفاقية التقليدية، وتارة تائهة في توحيد المفاهيم وفهم التعاريف، يسير العالم بسرعة فائقة نحو رقمنة شاملة يعاد فيها تشكيل المجتمعات بواسطة أنظمة الذكاء الاصطناعي. الخوارزميات اليوم هي من يصنف الأفراد، ويتنبأ بسلوكياتهم، ويوزع الفرص الوظيفية والتعليمية، بل ويحدد ملامح الاعتراف الاجتماعي.
من هنا، يطرح الدكتور نواف كبارة، رئيس التحالف الدولي للإعاقة، رئيس المنظمة العربية للأشخاص في وضعية اعاقة، رؤية فكرية وحقوقية جريئة تتجاوز مجرد تطبيق الاتفاقية الحالية، لتدعو إلى تأسيس ما يسميه “اتفاقية بلوسCRPD Plus” من أجل فهم جديد وجذري لحقوق الإعاقة يعاد تفسيره في ضوء عصر الذكاء الاصطناعي والحكامة الخوارزمية.
لا يمكن فهم هذه الرؤية الجديدة دون التوقف عند الإطار النظري الذي صاغه الدكتور كبارة، والمعروف بأنطولوجيا التموقع الفوقي. (Meta Positionality Ontology – MPO) وفقا لهذا المنظور، لا ينبغي النظر إلى الإعاقة كحالة طبية ثابتة أو مجرد هوية اجتماعية بيولوجية، بل هي علاقة تموقع داخل دوائر القوة المتداخلة (مثل الفئة، الجندر، العرق، التكنولوجيا، والسن). تكتسب الإعاقة أبعادها السياسية عندما توضع في سياقات وهياكل تحد من مشاركة الأفراد أو تحجب عنهم الموارد والاعتراف. وفي هذا التوجه، يبرز مفهوم الذات الهشة، و الهشاشة هنا ليست ضعفا نفسيا أو قلة حيلة، بل هي حالة غير مستقرة ينتجها تداخل المواقع؛ فقد يكون الشخص نافذا ومتمكنا في دائرة (كالطبقة الاقتصادية) ومهمشا تماما في دائرة أخرى (كالولوج الرقمي). وفي عصر الذكاء الاصطناعي، تساهم الخوارزميات بشكل مباشر في إنتاج هذه الهشاشة أو الحد منها بناء على معايير تصميمها.
تاريخيا، ارتدت السلطة أقنعة متعددة لشرعنة الإقصاء على أساس الدين، العلم، البيروقراطية، وقوى السوق. واليوم، يرى الدكتور كبارة أن الذكاء الاصطناعي يمثل القناع الأحدث والأكثر خطورة للقوة. حيث تقدم القرارات الخوارزمية للمجتمعات كمخرجات موضوعية وحيادية ناتجة عن التكنولوجيا، بينما هي في الواقع تعكس الانحيازات المسبقة، والتصنيفات، والقيم التي وضعها المصممون. إن الخطر الأكبر يكمن في: • تحول التمييز والإقصاء إلى مجرد عمليات تحسين رقمية. • ظهور اللامساواة في ثوب الدقة التنبؤية. • اختفاء سلطة القرار خلف جدار السمات التقنية المبهمة. إن حركة حقوق الإعاقة مطالبة اليوم باستجواب الخوارزميات والتحقيق في عدالة تصميمها، تماما كما استجوب الأجيال السابقة المؤسسات الطبية والقوانين التمييزية. إذا كان الجيل الأول من الحقوق قد ركز على الحواجز المادية والمعمارية، والجيل الثاني ركز على الحواجز القانونية، فإن الجيل الثالث يجب أن يركز على الحواجز الرقمية والخوارزمية.
إن صياغة (CRPD Plus) تتطلب توسيع مفهوم إمكانية الوصول ليشمل مصفوفة رقمية متكاملة تتضمن: 1الولوج الخوارزمي، لتصميم أنظمة ذكاء اصطناعي تراعي التنوع البشري الشامل. 2الشفافية الكاملة في اتخاذ القرار المؤتمت الذي يمس حياة الأشخاص ذوي الإعاقة. 3الحماية من التمييز الرقمي ومكافحة الانحيازات الممنهجة في البيانات. 4الإشراف البشري المستمرعلى الأنظمة الذكية لضمان عدم تغييب البعد الإنساني.
يضع الذكاء الاصطناعي المنظمات الممثلة للأشخاص ذوي الإعاقة أمام أزمة تمثيل حقيقية. تستطيع الحكومات والشركات الكبرى الآن جمع كميات هائلة من البيانات، والادعاء بأن الخوارزميات قادرة على معرفة احتياجات الأشخاص ذوي الإعاقة وتفضيلاتهم دون الحاجة لاستشارتهم. هذا التوجه ينطوي على مغالطة كبرى؛ فالبيانات ترصد الأنماط وتتنبأ بها، لكنها لا تملك الإرادة السياسية ولا تعوض الحق في تقرير المصير. ومن هنا، يطلق الدكتور كبارة تعديلا جوهريا على الشعار التاريخي للحركة ليصبح في العصر الرقمي: “لا شيء خوارزمي لنا.. بدوننا” لا يتوقف التحدي عند الحكامة، بل يمتد إلى تشكيل الوعي العام. تميل خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي – الساعية وراء التفاعل السريع وجلب الانتباه وحصد البوز- إلى تكريس الصور النمطية والتمثلات الخاطئة عن الأشخاص ذوي الإعاقة: (كالضحية المأساوية، البطل الملهم، أو موضوع الشفقة والإحسان). علاوة على ذلك، فإن الذكاء الاصطناعي يعيد إنتاج هذه الصور التمييزية والنماذج النمطية المشوهة على نطاق واسع وبسرعة فائقة إذا تمت تغذيته على بيانات منحازة. إن معركة المنظمات الحقوقية اليوم هي فهم هذه الآليات وتطوير استراتيجيات مضادة توظف الذكاء الاصطناعي نفسه كأداة للمناصرة، ورصد التمييز، وبناء سردية قائمة على التنوع والكرامة.
إن شعارالإدماج الذي طالما احتفت به الأدبيات الحقوقية لم يعد كافيا؛ لأنه يفترض دعوة الفئات المهمشة للدخول إلى أنظمة صممها آخرون. لكن عصر الذكاء الاصطناعي يتطلب الانتقال إلى الحكامة المشتركة، يجب أن يكون الأشخاص ذوي الإعاقة شركاء في التصميم، والتنظيم، والتقييم لهذه التكنولوجيا.
إن (CRPD Plus) هي النداء الحقوقي للمستقبل. فإذا كانت الاتفاقية الأصلية قد واجهت الحواجز البيئية للمجتمع الصناعي، فإن “الاتفاقية بلوس” هي السلاح لمواجهة الإقصاء الرقمي في المجتمع الخوارزمي. لأن الأشخاص ذوي الإعاقة ليسوا مجرد مستهلكين أو مستفيدين من الذكاء الاصطناعي، بل هم – بقوة الحق والواقع – مصممون وحكام ومؤلفون ومبتكرون يشاركون في صناعة المستقبل القادم الذي يجب ان يكون رقميا، مستداما ودامجا للجميع.