هل تملك الموسيقى عيناً لتبكي بها مآسي البشر، أم أنها مرآة مصقولة تعكس وجع الأرواح المتمردة وهي تصارع قيود الوجود؟ في ليلةٍ تموزية ساحرة، تحول ركح مسرح البحر بمدينة طبرقة التونسية إلى ساحة لملحمة تراجيدية تجسد صراع الروح الإنسانية في طلب التحرر، حيث وقفت الأيقونة الأمريكية “دي دي بريدجووتر” كقائدة لجوقة غنائية لم تكتفِ بتقديم ألحان الجاز، بل صاغت من النوتات فصولاً مسرحية مفعمة بالحزن، والكبرياء، والمقاومة. لم يكن هذا العرض مجرد نزهة موسيقية عابرة فوق ضفاف المتوسط، بل كان أشبه باعتلاء خشبة المسرح الإليزابيثي، حيث تتحول الكلمة المنطوقة والآهة المرتجلة إلى سيوف تقارع عتمة النسيان، وتنفخ الحياة في رماد الذاكرة الجريحة. تجلت عبقرية العرض الذي حمل عنوان “نحن موجودات” في تلك القدرة الفذة على تحويل النواح الموسيقي إلى صرخة وجودية تتحدى الفناء، تماماً كما تتحدى الشخصيات الشكسبيرية مصائرها المحتومة بكبرياء لا يلين. بمسحة درامية مذهلة، وتحت ظلال هذا الرباعي النسائي العابر للأجيال، انسابت ألحان الجاز كأنها تترجم صراعات النفس البشرية في أسمى تجلياتها، متأرجحة بين يأس الفقد وأمل الانعتاق. صوت بريدجووتر، العتيق والعميق كبحر طبرقة نفسه، لم يكن مجرد أداة للتطريب، بل كان راوياً تراجيدياً يملك زمام العاطفة، ينتقل بمرونة خارقة من الهمس الشجي الذي يحاكي انكسارات الروح، إلى الزئير المدوي الذي يزلزل أركان المسرح ليثبت أن المقاومة ليست مجرد خيار، بل هي جوهر الكينونة الحرة. إن القيمة الفلسفية والجمالية لهذه السهرة تكمن في إعادة إحياء الالتزام التاريخي للمرأة ومقاومتها عبر بوابات الفن الملتزم، صانعة توازناً نادراً بين البناء الموسيقي المحكم والارتجال العاطفي الحر. هنا تتقاطع الدراما مع التحليل الموسيقي، حيث لم تعد الألحان مجرد ترف جمالي، بل تحولت إلى نص مكتوب بدموع وتضحيات اللواتي واجهن القهر عبر العصور. هذا التمازج الرهيب بين الذاكرة والحرية، أعاد لمدينة المرجان بريقها الثقافي بعد غياب ست سنوات، ليثبت أن الفن الحقيقي، كالأدب الخالد، يمرض ولا يموت، ويعود دائماً لينتصر للحياة.
لقد كانت طبرقة في تلك الليلة مسرحاً كونياً، امتدت فيه الجسور بين معانات الروح الإنسانية في كل مكان، لتترك الجمهور في حالة من التطهير الأرسطي، مأخوذاً بسحر اللحن وعمق الرسالة التي أعلنت صراحة أن الحرية هي النغمة الوحيدة التي لا يمكن كتمانها.