لم تعد السياحة التونسية مجرد نشاط موسمي عابر ترتبط مؤشراته بتقلبات المناخ والظروف السوية، بل أضحت اليوم استراتيجية سيادية تقوم على الاستشراف والاستباق وصناعة الهوية البصرية والثقافية المتجددة. في قلب هذا التحول الجذري، تأتي الجلسة الأخيرة لوزير السياحة السيد سفيان تقية بمعهد التكوين في مهن السياحة بالحمامات، لترسم ملامح مرحلة فاصلة لا تكتفي بـ”إدارة” الموسم السياحي، بل تسعى إلى “هندسته” بعقليّة تبتعد عن النمطية وتراهن على الاستدامة والرقمنة الشاملة.
إن الحركية الدولية المتنامية التي تشهدها البلاد، والتي تترجمها دفقات الرحلات غير المنتظمة “charter” من أسواق واعدة ومتنوعة كالسوق الكندية والإنجليزية والألمانية والروسية، ليست وليدة الصدفة، وإنما هي نتاج حتمي لمقاربة هيكلية بدأت تؤتي أكلها من خلال تنويع العرض وتطوير آليات التقييم المستمر.
هذا التدفق الدولي يتكامل بشكل عضوي مع وعي عميق بضرورة تحصين الجبهة الداخلية للقطاع، وهو ما تجسد في النجاح الباهر لثقافة الحجز المبكر التي تم نشرها بالشراكة مع المهنيين. إن توفير عروض متنوعة وتخفيضات محترمة لم يكن مجرد آلية تسويقية، بل كان أداة لدمج المواطن والعائلات التونسية في قلب الدورة الاقتصادية السياحية، مما خلق تفاعلاً إيجابيًا ونسب إقبال غير مسبوقة توازن بين السياحة الداخلية والخارجية. غير أن هذا الحجم من الإقبال يتطلب بالتوازي بنية تحتية ومحيطاً بيئياً يرتقي إلى مستوى التطلعات، وهو ما يفسر التدخلات المكثفة لصندوق حماية المناطق السياحية بالتنسيق مع البلديات، لعل أبرزها الدعم الحاسم بنسبة ستين بالمائة للبرنامج الوطني لتنظيف الشواطئ، في خطوة تعكس أن جمالية المدن ونظافتها هما حجر الزاوية في صناعة الصورة الذهنية للوجهة التونسية.
ولأن جودة التجربة السياحية لا تنفصل عن سلاسة الخدمات وحماية كرامة السائح وحقوقه، فقد وضعت الوزارة معايير رقابية صارمة تقطع مع التجاوزات الكلاسيكية. إن الرقمنة الشاملة للخدمات عن بُعد وتيسير النفاذ إلى المعلومات يشكلان الوجه العصري للقطاع، لكن التحول الحقيقي يكمن في تكثيف المتابعة الميدانية الفجئية بمؤسسات الإيواء والمطاعم ووكالات الأسفار لفرض معايير السلامة وحسن الاستقبال. وهنا يبرز الدور المحوري لخلية اليقظة ومتابعة الشكايات كآلية ردع دائم ومستمر، لإنهاء ممارسات ظلت تؤرق المصطافين لسنوات، مثل البيع المشروط، وفرض حد أدنى للإقامة، أو المحاولات غير القانونية للتضييق على الحريات الفردية والتدخل في لباس المصطافين؛ فالهدف اليوم هو إرساء بيئة سياحية تحترم القانون وتلتزم بالعروض المعلن عنها دون مواربة.
في نهاية المطاف، يتجاوز المنظور التونسي الجديد فكرة الإيواء الفندقي المجرد نحو تفعيل أدوات القوة الناعمة من خلال دعم التظاهرات السياحية والثقافية عبر صندوق دعم القدرة التنافسية. هذا التوجه يسعى إلى خلق تنشيط سياحي متجدد يقطع تماماً مع الصور النمطية القديمة، ويبرز الثراء الحضاري التونسي كرافد أساسي لتنشيط الحركة الاقتصادية وإثراء تجربة الزائر.
إن منهجية العمل الميداني الدقيق والاستباق التي شدد عليها السيد سفيان تقية ليست مجرد تدابير لإنجاح ذروة الموسم الحالي، بل هي عملية تأهيل كبرى وشاملة تضع تونس في أعلى جاهزيتها لقيادة المشهد السياحي الإقليمي، وهي تخطو بثقة وثبات نحو استحقاقها التاريخي المقبل كعاصمة للسياحة العربية لعام 2027.