حين يرتفع صوت تونس من أعلى منبر أممي في نيويورك، لا يكون الأمر مجرد استعراض لأرقام جافة أو سرد لالتزامات بروتوكولية، بل هو إعلان عن فلسفة تنموية جديدة تحاول صياغة مستقبلها بمرونة عالية وسط عواصف عالمية متلاطمة. فرأس المال الحقيقي اليوم لم يعد يقاس بمخزونات الخزائن، بل بالقدرة على الصمود وتأمين عيش كريم للأجيال القادمة. في هذا السياق الاستراتيجي، جاء تقديم وزير الاقتصاد والتخطيط التونسي، سمير عبد الحفيظ، للتقرير الوطني الطوعي الثالث لسنة 2026 أمام المنتدى السياسي رفيع المستوى للتنمية المستدامة، ليمثل لحظة فارقة تقيّم فيها البلاد مسارها نحو أجندة 2030، واضعةً العالم أمام مسؤولياته المشتركة، ومؤكدة أن الخصوصية التونسية قادرة على ابتكار حلولها الذاتية رغم شح الإمكانيات وصعوبة الظرف الدولي.
إن قراءة متأنية في تفاصيل هذا التقرير تكشف عن تحول عميق في هندسة السياسات العمومية التونسية، حيث لم تعد التنمية المستدامة مجرد ترف فكري أو بند ملحق، بل أصبحت العمود الفقري للخطط الوطنية الممتدة حتى نهاية العقد. وتتجلى هذه الرؤية التحليلية في التركيز على ستة مجالات حيوية تتشابك فيها التحديات البيئية بالرهانات الاقتصادية؛ فالحديث عن الأمن المائي والصرف الصحي في تونس اليوم يلامس الأمن القومي للبلاد في ظل التغيرات المناخية القاسية، وهو ما يدفع نحو إدارة أكثر حوكمة وعقلانية للموارد المتاحـة. هذا التحدي البيئي يقابله طموح استثماري جاد في قطاع الانتقال الطاقي، حيث تسعى الدولة إلى تسريع وتيرة مشاريع الطاقات المتجددة وتكريس النجاعة الطاقية لتقليص العجز الهيكلي، بالتوازي مع تطوير بنية تحتية صناعية مرنة وقائمة على الابتكار والتكنولوجيات الحديثة، مما يسهم في خلق مدن ومجتمعات محلية مستدامة وقادرة على امتصاص الأزمات الوافدة.
ولم يقف الخطاب التونسي عند حدود عرض المنجزات والخطط المحلية، بل غاص عميقاً في تفكيك البنية الهيكلية المتأزمة للنظام المالي العالمي الذي بات يعيق طموحات الدول النامية ومتوسطة الدخل. ومن على منبر الأمم المتحدة، صدحت تونس بدعوة صريحة ومباشرة لإصلاح هذه المنظومة الدولية لجعلها أكثر إنصافاً وعدالة، معتبرة أن تحقيق أهداف التنمية لا يمكن أن يرى النور دون معالجة جذرية لمعضلة الديون السيادية التي تخنق الموازنات وتستنزف الطاقات. إن المطالبة بآليات تمويل مبتكرة وتوفير السيولة اللازمة لمجابهة الأزمات المتراكمة تعكس وعياً تونسياً بأن التنمية المستدامة هي عقد عالمي تضامني، وأنه لا يمكن لبقعة في العالم أن تنعم بالاستقرار ما لم تتوفر الشروط العادلة للنمو في كل مكان.
هذا الحراك الدبلوماسي والتنموي تُرجم بشكل ملموس على هامش المنتدى من خلال لقاءات رفيعة المستوى، لعل أبرزها المباحثات التي جمعت الوزير بالمدير الإقليمي للدول العربية ببرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، عبد الله الدردري. حيث مثّل هذا اللقاء فرصة استراتيجية لاستعراض المرتكزات الأساسية لمخطط التنمية التونسي القادم (2026-2030)، وهو المخطط الذي يضع في مقدمة أولوياته الحد من الفوارق الاجتماعية والتفاوت بين الجهات.
وقد أسفر هذا التناغم في الرؤى عن تجديد الالتزام الأممي بمرافقة تونس في مسارها الإصلاحي، وتعهد البرنامج بتعبئة التمويلات الضرورية لدعم مشاريع حيوية تتراوح بين إدارة المياه، واقتصاد المعرفة، والتنمية المحلية المستدامة، مما يؤكد أن التجربة التونسية لا تزال تحظى بالثقة والمراهنة الدولية، وأن طريق الاستدامة رغم وعورته، يظل الخيار الوحيد والأضمن لبناء تونس الغد.