آخر الأخبار

بوقرنين يبعث من رماد الحنين: 14 ليلة من سحر قرطاجي ونسيم جزائري يعيدان كتابة التاريخ على ركح حمام الأنف

شارك

عبد الوهاب البراري ـ تونس السياحة العربية

“أكون أو لا أكون، تلك هي المسألة”، لكن في محراب الفن، المسألة هي كيف تولد المدن من جديد على وقع النغم، وكيف يتنفس الطين عبير الذكريات؛ فمن رحم جبل بوقرنين الشامخ كتاج من مرمر، تفتح مدينة حمام الأنف ذراعيها لتعلن ولادة عهد جديد من الضياء، حيث ينفض مسرحها العريق غبار السنين ليحتضن الدورة الرابعة والأربعين لمهرجانها الدولي.
إنها ليست مجرد عودة موسمية لستائر المسرح، بل هي انتفاضة ثقافية حقيقية تتأرجح بين عبق الماضي وتطلعات المستقبل، في تظاهرة تختزل بوعي عميق صراع الإنسان مع الزمن من أجل البقاء في ذاكرة الإبداع.
هنا، حيث يلتقي البحر بالجبل، تتشابك السهرات الستة عشر كحلقات في سلسلة ذهبية صممت بدقة لتخلق جدلية بصرية وسمعية، تتجاوز حدود الترفيه السطحي إلى آفاق التثاقف الإنساني الرحب، معلنة أن الفن هو الخيط الحريري الذي يربط بين تمزقات الروح العربية.

تمثل البرمجة في هذه الدورة المتميزة قراءة نقدية واعية لواقع المشهد الفني المعاصر، إذ ترفض السقوط في فخ الابتذال التجاري وتصر على تقديم توليفة تجمع بين الرصانة الفكرية والبهجة الفرجوية.
في هذا الفضاء، تبدو الثقافة كسيمفونية كبرى يعزفها القدر، تتداخل فيها أصوات تونس الأصيلة بصدى الطبوع المجاورة، حيث يأخذ المسرح حصته من الروح الإنسانية عبر عملين يحاكيان خلجات النفس ومآسيها، في حين تفرض الموسيقى سلطتها المطلقة بأربعة عشر عرضاً تتنوع بين الوتري، الشعبي، والبديل.
إن اختيار الفنان اللبناني وائل جسار ليفتتح هذه الملحمة الفنية ليس مجرد ضربة تسويقية، بل هو استدعاء لروح الشجن الشرقي ليمتزج برطوبة المتوسط، كأنما أراد المنظمون القول بأن الجراح واحدة واللحن واحد، بينما يأتي الختام بصوت نور شيبة في العيد الوطني للمرأة ليعيد الاعتبار للتراث التونسي، مؤكداً أن “المرأة هي المأوى، وبدونها يصبح العالم منفى” في صياغة فنية تحتفي بالهوية والتحرر معاً.

يتجلى العمق الجيوسياسي والثقافي للمهرجان في اختيار الجزائر كضيف شرف لهذه الدورة، وهو خيار يتجاوز الدبلوماسية البروتوكولية ليغوص في جذور الدم والتاريخ المشترك بين الشعبين.
إن حضور أربعة عروض جزائرية تتوزع على ثلاث سهرات يمثل امتداداً طبيعياً لتلك الأواصر القديمة، حيث تلتقي أنغام القناوة العميقة وإيقاعات الاستخبار التلمساني لتشكل حواراً حميمياً مع الإيقاع التونسي.
هذا الامتداد يمنح الدورة بعداً أنثروبولوجياً يسلط الضوء على تلاقح الحضارات، خاصة مع انفتاح المهرجان على فنانين من فلسطين، الأردن، ليبيا، وصولاً إلى ثوار النغم في كوبا والمكسيك، وكأن مسرح بوقرنين قد تحول إلى برلمان عالمي للجمال، يثبت فيه الفنانون أن “الموسيقى هي لغة العواطف، وحيث تفشل الكلمات تتحدث النغمات”.
إن إعادة إحياء مهرجان بوقرنين الدولي في دورته الحالية يطرح تساؤلاً جوهرياً حول دور الثقافة في ترميم الهويات المحلية وتنشيط السياحة الفكرية والاقتصادية للمدن الضاحية.
فالمسألة هنا لا تتعلق فقط باعتلاء الركح، بل بالقدرة على صياغة هوية متجددة لمدينة حمام الأنف، تجعل من الفن قاطرة للتنمية ومنارة تجذب عشاق الأصالة من كل حدب وصوب.


إنها دعوة مفتوحة لكل مسافر يبحث عن جوهر تونس الحقيقي، ليتأمل كيف يمكن لستة عشر ليلة أن تصنع فارقاً في وجدان أمة، وكيف يمكن للمهرجانات الصيفية أن تكون مرآة تعكس نضج الشعوب وتوقها الأزلي نحو الكمال والجمال.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *