آخر الأخبار

نبض التراث في قلب جربة: مهرجان الصرندي يكتب فصلاً جديداً في سياحة الجذور التونسية

شارك

جليلة كلاعي تونس

تخيل جزيرة لا تنام، ليس صخباً، بل حنيناً يتدفق عبر ثناياها ليعيد صياغة مفهوم السياحة الثقافية.


هكذا بدت معتمدية “أجيم” بجزيرة جربة وهي تفتح ذراعيها لاحتضان الدورة السادسة للمهرجان الثقافي والسياحي والرياضي بالصرندي.
تحت شعار “الصرندي تجمعنا”، لم يعد هذا الحدث مجرد احتفالية صيفية عابرة، بل تحول إلى تظاهرة استراتيجية وأداة تفكيك للمشهد السياحي التقليدي، حيث تقود الكشافة التونسية هناك فلسفة جديدة تعيد الاعتبار للمناطق الداخلية بالجزيرة، وتصنع من الذاكرة الحية منتجاً سياحياً قادراً على الجذب والاستدامة.
إن إشراف السيد وليد الطبوبي، والي مدنين، على افتتاح هذه الدورة يعكس بوضوح الأهمية التنموية التي باتت تكتسيها هذه الفعاليات، مخرجاً إياها من عباءة الفلكلور الضيق إلى أفق التخطيط السياحي الشامل الذي يربط الدولة بالمجتمع المدني.

العمق الحقيقي لهذه التظاهرة يتجلى في قدرتها على تحويل التراث غير المادي إلى تجربة حية يتفاعل معها الزائر، فالكرنفالات الاستعراضية وعروض الماجورات والدمى العملاقة التي جابت الشوارع لم تكن لمجرد الإبهار البصري، بل كانت بمثابة إعلان عن انبعاث الهوية المحلية.
تتشابك في الصرندي لوحات العرس الجربي بملامحه العتيقة، مع استعراض اللباس التقليدي الأصيل كالبلوزة الجربية، لتضع الوافد أمام وثيقة تاريخية حية تُقرأ بالعين وتُعاش بالوجدان.
هذا التلاحم يمنح القطاع السياحي في جربة بُعداً تحليلياً هاماً، إذ يكشف أن السائح المعاصر لم يعد يبحث عن مجرد شواطئ وفنادق فاخرة، بل بات مدفوعاً بـ “سياحة الجذور” والبحث عن الأصالة، وهو ما تجسد أيضاً في المعارض المخصصة للحرفيات التي قدمت منتوجات الصناعات التقليدية بروح عصرية تجمع بين الوظيفة والجمالية، وتفتح آفاقاً اقتصادية واعدة للمرأة الحرفية في الجزيرة.

ولم تقف حدود هذه التجربة عند حدود الثقافة الساكنة، بل تمددت لتشمل الجسد والفكر من خلال أنشطة رياضية وترفيهية مدروسة، مثل دورات الكرة الحديدية والألعاب الفكرية ومسابقات الأكلات الشعبية التي تختزل ثقافة المطبخ المتوسطي.
إن هذا المزج الذكي بين الرياضة وسهرات السمر الكشفي والورشات الموجهة للطفل يؤسس لنموذج “السياحة التضامنية الشاملة” التي تستهدف العائلات وتصهر أبناء المنطقة مع المهاجرين التونسيين العائدين من الخارج في بوتقة واحدة.


في المحصلة، يثبت مهرجان الصرندي بأجيم أن مستقبل السياحة العربية يكمن في العودة إلى الهوية والاستثمار في الإنسان، وأن التفاصيل الصغيرة المخبأة في القرى والأحياء التونسية هي الثروة الحقيقية القادرة على الصمود وتقديم نموذج سياحي متكامل، ملهم، ومستدام.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *