لم يكن اختيار المجموعات الاستثمارية العالمية الكبرى لوجهاتها الاستراتيجية يوماً وليد الصدفة، بل هو نتاج قراءة دقيقة لخرائط الجغرافيا السياسية والاقتصادية. ومن هذا المنطلق، يأتي الإعلان الرسمي لمجموعة “دلتاك” (DELTEC) الألمانية، الرائدة في مجالات الحلول التكنولوجية وخدمات التصنيع الإلكتروني، بإنشاء أولى وحداتها الإنتاجية خارج حدودها الوطنية في تونس، كشهادة حية وعميقة على مرونة وجاذبية البيئة الاستثمارية التونسية، وإعادة صياغة حقيقية لتموقع البلاد في سلاسل القيمة العالمية للمكونات الإلكترونية وحلول الذكاء الصناعي.
إن هذا التوجه الألماني نحو الضفة الجنوبية للمتوسط يحمل في طياته دلالات تحليلية بالغة الأهمية، فهو يعكس تحولاً جذرياً في استراتيجيات النقل الإقليمي (Nearshoring) للشركات الأوروبية العملاقة، والتي باتت تبحث عن ملاذات آمنة، قريبة، وتنافسية لتأمين سلاسل إمدادها بعيداً عن تقلبات الأسواق الآسيوية البعيدة. وتثبت تونس اليوم، عبر استحواذ المصنع الألماني على موقع الإنتاج السابق للمجموعة السويسرية “سيكور” ببرج السدرية، أنها ليست مجرد منصة للتجميع منخفض التكلفة، بل هي قطب تكنولوجي متكامل قادر على استيعاب تكنولوجيا الجيل الرابع من الصناعات وتوطينها بفضل البنية التحتية المتطورة والجامعات التقنية المحيطة بالمنطقة.
على الصعيد الهيكلي، لا تتوقف الأبعاد الاقتصادية لهذا الاستثمار عند حدود التوسع الجغرافي للمجموعة الألمانية، بل تمتد لتحدث أثراً مضاعفاً في النسيج الاجتماعي والاقتصادي المحلي، فالتخطيط لتشييد وحدة عصرية تمتد على مساحة تتجاوز عشرة آلاف متر مربع، والالتزام بدمج الكفاءات الحالية مع التعهد بخلق أكثر من خمسمائة موطن شغل جديد، يمثل ضخاً لدماء جديدة في شريان الاقتصاد التونسي. هذا التحول الكمي والنوعي يسهم مباشرة في نقل المعرفة وتطوير المهارات الهندسية التونسية، مما يمنح الكوادر المحلية الشابة فرصة الاحتكاك المباشر بأعلى معايير الجودة والتصنيع الألمانية الصارمة.
في المحصلة، يبعث هذا القرار الاستراتيجي برسالة ثقة قوية إلى مجتمع الأعمال الدولي، مؤكداً أن الميزات التفاضلية لتونس القائمة على القرب الجغرافي اللوجستي من أوروبا، وتوفر الموارد البشرية عالية التأهيل، قادرة على حسم كبرى الصفقات الاستثمارية لصالحها.
إن “دلتاك” الألمانية لا تبني مجرد مصنع للمكونات الإلكترونية في برج السدرية، بل تضع حجراً أساسياً في جسر الشراكة المستدامة بين ضفتي المتوسط، معلنةً بدء مرحلة جديدة تكرس فيها تونس مكانتها كعاصمة إقليمية للصناعات الذكية والتكنولوجيات المتطورة.