آخر الأخبار

سيمفونيات الصيف التونسي: عندما تتحول المسارح الأثرية إلى جسور تواصل عالمي وحواضن للهوية

شارك

جليلة كلاعي تونس

تتحول الجغرافيا التونسية مع مطلع كل صيف إلى ورشة فنية مفتوحة تنبض بالحياة، حيث لا تعود المهرجانات مجرد أرقام في أجندة ترفيهية عابرة، بل تتحول إلى طقس ثقافي سنوي يعيد صياغة علاقة الإنسان بالمكان والتاريخ.
في هذا المشهد المتجدد، يبرز ليل الإثنين كحلقة وصل استثنائية تمتزج فيها الثقافات الإنسانية العابرة للقارات مع الموروث الصوفي والشعبي المتجذر في التربة التونسية، مشكلاً لوحة فنية تعكس عمق السياحة الثقافية وقدرتها على تحويل الفضاءات التاريخية إلى منابر عالمية للتلاقح الفكري والإبداعي.

إن القراءة التحليلية لتوزيع العروض الفنية عبر مختلف الأقاليم التونسية تكشف عن استراتيجية عميقة تتجاوز مجرد الاستهلاك التجاري للفن. ففي قلب العاصمة، يرتدي المسرح الأثري بقرطاج ثوب العولمة الثقافية وهو يستضيف قامات موسيقية عالمية بحجم فرقة “ذا جاكسونز” الأمريكية، في خطوة تبرهن على قدرة المهرجانات التونسية على استقطاب الفن الغربي بنخبويته وجماهيريته داخل فضاء مشبع بعبق التاريخ الفينيقي والروماني.
هذا الحوار البصري والسمعي بين هندسة الماضي وموسيقى الحاضر يمنح السائح العربي والأجنبي تجربة شعورية فريدة، حيث يصبح العرض الفني امتداداً للحضارة وليس مجرد حدث معزول.
بالتوازي مع هذا الانفتاح، يختار مهرجان الحمامات الدولي هندسة ثقافية مغايرة من خلال استضافة فرقة “قناوة ديفيزيون” الجزائرية، ليؤكد على البعد المغاربي المشترك وإعادة إحياء الموسيقى البديلة التي تخاطب وجدان الشباب الباحث عن الإيقاعات الإفريقية العميقة والملتزمة.

ولا يتوقف هذا الزخم عند حدود العاصمة وضواحيها، بل يمتد على طول الشريط الساحلي ليعيد صياغة مفهوم “العدالة الثقافية” وتنشيط الحركية الاقتصادية والسياحية للمدن الداخلية والساحلية على حد سواء.
ويتجلى ذلك بوضوح في الافتتاح المهيب لمهرجان المنستير الدولي داخل فضاء قصر الرباط التاريخي، حيث تندمج الحداثة الموسيقية المتمثلة في عرض “100 كمان” للموسيقار زياد الزواري مع الروحانيات المحلية لعرض “حضرة العوامرية”.
هذا التمازج يمثل ذروة الذكاء الفني في توظيف الموروث اللامادي؛ فهو يبرز الهوية التونسية في أبهى تجلياتها الصوفية والسمفونية، ويقدم للمشهد السياحي منتجاً ثقافياً أصيلاً يستهوي الزائر العربي الذي يبحث عن الجذور الروحية المشتركة.
وفي سوسة، تنحاز السهرات نحو الطرب الأصيل عبر سهرة “جوهرة تغني” لتعيد الاعتبار للأغنية التونسية والشرقية الكلاسيكية في مسرح سيدي الظاهر، مما يلبي تطلعات فئات عمرية وسياحية تبحث عن الهدوء والجماليات السمعية النظيفة وسط صخب الصيف.

في المقابل، يمتد هذا الشريان الفني لينعش فضاءات الوطن القبلي بلمسات فكاهية وشعبية في نابل، ويخترق المرتفعات الغربية وصولاً إلى مدينة تالة بالقصرين عبر عروض موجهة للعائلة والطفل، مما يثبت أن المهرجانات الصيفية في تونس ليست ترفاً نخبوياً بل هي حاجة مجتمعية ومحرك أساسي للدورة الاقتصادية المحلية.


إن هذه التوليفة الفنية المتكاملة —التي تجمع بين الموسيقى الغربية، والإيقاعات المغاربية، والروحانيات الصوفية، والمسرح— تؤكد أن تونس لا تقدم مجرد شواطئ ومنتجعات لزوارها، بل تقدم هوية حية متجددة، وتجعل من سهرات الصيف منارات مضيئة تضع البلاد في صدارة الوجهات السياحية الثقافية في العالم العربي، حيث يلتقي سحر السهر بعبقرية المكان.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *