أبـوبكر الفــاضلي – لـيبيـا
قوس سبتيموس سفيروس بمدينة لبدة الكبرى أحد أهم المعالم الأثرية الرومانية في ليبيا وشمال إفريقيا، وشُيِّد القوس تكريمًا للإمبراطور سبتيموس سفيروس، الذي وُلد في لبدة الكبرى، وذلك احتفالًا بانتصاراته العسكرية وتعزيزًا لمكانته السياسية داخل الإمبراطورية الرومانية خلال عام 203 ميلادياً وليخلد ذكرى زيارة الإمبراطور سبتيميوس إلى مسقط رأسه في ليبيا .

حيث أُقيم القوس عند تقاطع الطرق الرئيسية، مما جعله عنصرًا محوريًا في الحياة الاجتماعية والتجارية. كما تناول الطراز المعماري والزخارف الفنية التي تميز القوس، والتي تعكس مهارة الفن الروماني وتأثره بالعناصر الثقافية المختلفة.

ويعتبر هذا القوس من أبرز المعالم المعمارية في مدينة لبدة الأثرية بليبيا التي تجمع بين الرمز السياسي والهندسة الرومانية المتقدمة ، حيث إتخذ شكلاً رباعي الأضلاع يتقاطع عند التقاء شارعين رئيسيين في المدينة، وهما الكاردو والديكومانوس، ما أتاح له موقعاً استراتيجياً يعكس مركزية السلطة ومكانة المدينة ضمن مدن الشمال الأفريقي في العصر الروماني.

يتحدث البناء عن قوة الإمبراطورية وهيبتها من خلال أبعاده وزخارفه، فقد بلغت أبعاد القوس ما يقارب 23 مترًا عرضًا، و20 مترًا طولًا، بينما امتد عمقه إلى أكثر من 11 مترًا، ويتكون القوس من أربع فتحات، تتوزع بينها ممرات مقببة، وتعلو كل منها أقواس مزينة بأعمدة وتيجان رخامية.

وقد رُفعت أرضية القوس عن مستوى الشارع ليمنحه ارتفاعاً إضافياً يعزز حضوره البصري والرمزي، وأعتمد البناء في قاعدته على حجارة جيرية ورملية شكّلت خرسانة قوية بسمك يتجاوز 6 أمتار، كانت بمثابة قاعدة داعمة للهياكل الرخامية والزخارف المعمارية اللاحقة.

#وصف القــــوس:
لقوس النصر أربع فتحات، وأرضيته المبلطة مرتفعة عن أرضية الشارعين، يتكون الجزء السفلي من قاعدته من أحجار جيرية ورملية ساعدت في تكوُّن خرسانة صلبة سمكها 6-7 أمتار، ويعد هذا القوس من أكثر أقواس رومانية رونقاً وبهائاً، القوس من طراز الثالث فتحات، مبنى من الرخام، تبلغ أبعاده حوإلى 20.88م طول 23.27م عرض، 11.2م عمق، بينما تبلغ أبعاد القوس الأوسط وأكبرهم على الإطلاق حوالى 12م طول، 7م عرض، القوسان الجانبيان حوإلى 7.8م طول، 3م عرض. كان يوجد فوق الخرسانة تبليط رخامي لكنه اختفى، الواجهات الأربعة للقوس متشابهة بالإضافة إلى أنها جزئيًا مشتركة في أكتاف القوس.

أما البناء الأساسى للقوس مكرر أربع مرات على شكل صفوف ذات أسس متشابهة، ويوجد في كل واجهة ممر مقبب، وعلى واجهة كل ممر ركب عقد مقلوب ذو حلقات يدعم تيجان الأعمدة، تحتوي كل واجهة على عمودين مربعين مثبتين عند زوايا موضوعين على أسسهما الصحيحة، وهما منفصلان عن السطوح المتوازية ومنفصلان عن النضد المكون من العتب العلوى ذو الثلاث قطاعات والإفريز المزخرف والكرنيش وهي كلها تدعم البناء السطحي، ومن البديهى أن هذا التجمع الهندسى مستقل بالنسبة للهيكلة الأساسية للصفوف ذات الأسس المتشابهة والمدخل الفخم، كان لهذا القوس قبة صغيرة مدعمة بمثلثات مقببة.

#زخـارف القـوس مكونة من مجموعتين:
#المجموعة الأولى: مكونة من أربعة لوحات مستطيلة كبيرة قائمة الزوايا، الأولى والثانية عليها منحوتات تمثل موكبى النصر، والثالثة مشهد تقديم القرابين، أما الرابعة فتصور الإمبراطور وهو يمسك بيد ابنه الكبير كاراكالا وإلى جواره ابنه الأصغر جيتا وقد يكون رمز الفنان هنا لتوثيق الولاء بين أفراد الأسرة.

#المجموعة الثانية: تتكون من ثمان لوحات صغيرة كل زوج منها يقابل زوج آخر، توجد هذه اللوحات على وجوه الجدران الداخلية لكل من الممرين وتمثل الآلهة المختلفة ومن بينها الإلاهين الحاميين لمدينة لبدة هراكليس وباخوس وكذلك إلهة الحظ فورتونا والآلهة الرئيسة الثلاثة: جوبيتر وجونو ومنيرفا.

#أمــا عن الوجوه الخارجية من دعائم القوس فقد زينت الفراغات المثلثة بثمانى منحوتات لإلهة النصر العارية المجنحة فيكتوريا وهي تحمل التيجان وسعف النخيل وعدد من النسور التي مثلت تفرد أجنحتها وتقبض على عدد من الكرات الأرضية إلى جانب هذا، تظهر اللوحات الكبيرة المزينة لزوايا القوس الخارجية أربعة ألفاف من أغصان العنب لتنتشر بين وأراقها أشكال لعدد من العصافير وعدة أشكال لإله الحب كيوبيد. يلاحظ في هذا القوس تصوير الإمبراطور وعربته وولديه في وضع المواجهة، بينما صور حشد الحاضرين إلى يمين المشهد، والخيول الأربعة التي تقود العربة وسائقها إلى اليسار.

عرض التاريخ في قوس سبتيميوس سيفيروس لا يقتصر على قيمته الجمالية أو العمرانية، بل يمتد إلى كونه رسائل سياسية ودينية وثقافية في الزخارف المنحوتة التي تغطي واجهات القوس الأربع وتعبيراً عن علاقة الإمبراطور بجذوره الليبية، فقد اختار أن يخلد اسمه في مدينته الأصلية من خلال قوس نصر يُجسد الإمبراطورية في أوج قوتها، ويجعل من لبدة الكبرى نقطة إشعاع حضاري في جنوب المتوسط، كما أن القوس يعكس تداخل السلطة والدين والأسرة في صورة واحدة، إذ لم يكن مبنياً ليوثق حدثاً عابراً، بل ليخلد سردية كاملة عن زمن ومكان وإمبراطور كان رمزاً للوفاء لمسقط رأسه مدينة لبدة .




