في ليلة صيفية لم تكن كغيرها من ليالي تونس الخضراء، اختلطت رائحة أوراق الزيتون العتيقة بنسمات الفن الطربي الأصيل، لتعلن مدينة دقة الأثريّة عن كتابة فصل جديد من فصول مجدها الثقافي. هناك، فوق تلك الروابي الشاهدة على تعاقب الحضارات، وبين أحضان المسرح الروماني المهيب الذي يتنفس تاريخاً، التقت عراقة المكان بعظمة الإبداع الإنساني في افتتاح الدورة الخمسين لمهرجان دقة الدولي. لم يكن الحدث مجرد حفلة موسيقية عابرة تمر في جدول الصيف، بل كان تجسيداً حياً لظاهرة ثقافية وسياحية فريدة، حيث تحول الركح الأثري إلى ساحة صراع جمالي بين ماضٍ يرفض النسيان وحاضر يصر على الحياة، مدفوعاً بصوت تونس الخالد، الفنان القدير لطفي بوشناق، الذي أثبت مجدداً أن الفن هو الجسر الأمتن لربط الشعوب بهويتها وجذب عشاق التراث من كل حدب وصوب.
إن القيمة التحليلية لهذا العرض تتجاوز حدود الإمتاع السمعي لتلامس أبعاداً أعمق تتعلق بالهوية الثقافية والسياحة البديلة في المغرب العربي، فاعتلاء بوشناق هذا المسرح التاريخي يمثل استحضاراً ذكياً للموروث اللامادي في مواجهة معالم مادية صلبة، وكأن الموسيقى تمنح الحجارة الصامتة روحاً وحياة. انطلق العرض بروح طربية تجلت في “وصلة رأست الذيل”، ليعيد تشكيل الوعي الجمعي للحاضرين ويربطهم بجذور المقامات التونسية الأصيلة، قبل أن يبحر في ملكوت عاطفي وإنساني عبر روائع مثل “نساية” و”العين اللي ما تشوفكشي”. ولم يتوقف الإبداع عند حدود الشجن العاطفي، بل غاص بوشناق بذكائه المعهود في عمق القضايا الإنسانية والاجتماعية عبر أغنيات ملتزمة مثل “هاذي غناية ليهم” و”صفي يا غربال”، مما أضفى على السهرة طابعاً فكرياً فلسفياً جعل الجمهور الشاب قبل الكهل يتماهى مع كل نبرة وموقف، محولاً المدرجات إلى كورال بشرى هائل يهتف بالحرية والجمال والأمل.
هذا التلاحم الاستثنائي بين الجمهور والفنان، والذي بلغ ذروته مع أمواج التصفيق والزغاريد التي رافقت أغنية “كيف شبحت خيالك”، يطرح قراءة هامة حول قدرة المهرجانات التراثية على تنشيط السياحة الثقافية الداخلية والعربية، فالحشد الغفير الذي غصت به المدرجات أثبت أن السائح العربي اليوم بات يبحث عن التجارب الحية المفعمة بالأصالة والمضمون، وليس فقط عن المنتجعات الشاطئية التقليدية.
وما زاد هذه الليلة عمقاً وتميزاً هو الوعي العالي والمسؤولية العفوية التي أظهرها المنظمون والجمهور على حد سواء. فحتى الحريق المحدود والمفاجئ الذي اندلع خارج النطاق الأثري للمدينة قبل العرض، تم التعامل معه بحرفية وهدوء تامين من قبل وحدات الحماية المدنية تزامناً مع تطمينات إدارة المهرجان، فلم يتسلل القلق إلى النفوس ولم يتأثر بريق السهرة، بل تحول التحدي العارض إلى برهان إضافي على قدرة تونس على احتضان كبرى الفعاليات الإقليمية والدولية بأمان واقتدار، لتبقى دقة واحة للفكر، ومنارة للفن، ووجهة لا غنى عنها لكل مسافر يبحث عن عبق التاريخ وسحر الإبداع.