حين ترتفع درجات الحرارة في الجنوب التونسي، لا تخمد الحركة ولا يلوذ الناس بالصمت، بل تفجر الواحات المخبوءة في عمق ولاية “قبلي” ينابيع من الفن والفكر تكسر رتابة القيظ الصيفي وتدوزن إيقاع الحياة على وقع الطبول التراثية والشعر الشعبي. إن الإعلان الأخير للمندوبية الجهوية للشؤون الثقافية بقبلي عن اعتماد قائمة رسمية تضم عشرة مهرجانات صيفية تتوزع على مختلف المعتمديات والبلدبات، لا يمثل مجرد أجندة ترفيهية عابرة أو محاولة لملء الفراغ الزمني، بل هو استراتيجية ثقافية عميقة تهدف إلى إعادة قراءة الجغرافيا الصحراوية سياحياً وفنياً، وتحويل العزلة الجغرافية إلى مشهد اتصالي مفتوح على الإبداع. هذا التوزيع المحكم الذي ينطلق بـ “مهرجان قبلي الدولي” في أواخر يوليو ليمتد عبر شرايين الجهة وصولاً إلى تخوم “رجيم معتوق” و”سوق الأحد” في نهايات أغسطس، يبرهن على وعي متقدم بضرورة فك المركزية الثقافية وتوزيع الفعل الإبداعي بعدالة تضمن لكل مواطن وزائر حقه في الاستمتاع بجماليات العرض الفني، محولاً الولاية بأكملها إلى مسرح مفتوح يمتد لأكثر من شهر.
يتجاوز هذا الحراك الثقافي في باطنه فكرة العروض الفرجوية ليتعمق في تفكيك البنية الاجتماعية والاقتصادية للمنطقة عبر توظيف المنصة الرقمية الموحدة للتمويل العمومي للجمعيات، وهو إجراء تنظيمي يعكس التحول نحو الحوكمة الثقافية الشفافة واختيار المشاريع الأكثر قدرة على إحداث الفارق. إن التوجه الاستراتيجي للمسؤولين هذا العام بفرض شرط الأولوية للعروض والإنتاجات الفنية المحلية والجهوية، يحمل في طياته أبعاداً نقدية واقتصادية بالغة الأهمية، فهو من ناحية يضمن تحقيق التوازن المالي في ميزانيات المهرجانات الناشئة وتجنيبها شبح الديون، ومن ناحية أخرى يمثل اعترافاً صريحاً بالطاقات الشبابية والخصوصية التراثية للمنطقة التي طالما ظُلمت في ظل استيراد عروض جاهزة لا تشبه هوية المكان. هذا التمكين للمبدع المحلي يحول المهرجان من مستهلك للميزانيات إلى منتج للقيمة الثقافية، حيث تصبح رقصات “الموقف” و”الفزعة” وأشعار البادية أدوات حية للجذب السياحي، تستهوي الزائر العربي الباحث عن الأصالة الإنسانية والعمق التراثي الذي لا توفره المسارح الإسمنتية الكبرى.
في المحصلة، تُثبت ولاية قبلي من خلال هذه التظاهرات المتلاحقة كمهرجانات “نسمات الواحة بجمنة”، و”البليدات”، و”نويل”، وفطناسة”، والجرسين”، والجديدة”، أن الصحراء التونسية ليست فضاءً قاحلاً بل هي مخزن للذاكرة الحية وطاقة متجددة قادرة على صياغة مفهوم جديد للسياحة الثقافية المستدامة. إن نجاح هذه المهرجانات في الاستمرار والوصول إلى دورات متقدمة يتجاوز بعضها الثلاثين دورة، يؤكد أن الفعل الثقافي هنا هو حاجة حياتية ملحة لربط الأجيال بجذورها، وخلق حركية تجارية واقتصادية للمهن الصغرى والواحات المحيطة بفضاءات العرض.
إنها دعوة مفتوحة من قلب الجنوب التونسي لكل عشاق السفر والثقافة للاستماع إلى دقات الطبول تحت النجوم، واكتشاف كيف يمكن للثقافة أن تحول لهيب الصيف إلى واحة من الإلهام والفرح الإنساني الخالص.