آخر الأخبار

نبض أخضر في قلب قرطاج: كيف يعيد شباب تونس صياغة مستقبل الاستدامة والمناخ في أفق 2035

شارك

جليلة كلاعي تونس

لم تعد قضايا التغير المناخي مجرد ملفات تقنية تُناقش خلف الأبواب المغلقة في قاعات المؤتمرات الدولية، بل تحولت إلى معركة وجودية يومية تشهدها تفاصيل الحياة في تونس، من شواطئ رفراف وجربة التي يهددها البحر، إلى حقول الزيتون في الساحل والجنوب التي ينهكها الجفاف.
وفي قلب هذه المواجهة الشرسة مع الطبيعة المتغيرة، لم يعد الشباب التونسي مجرد متفرج أو ضحية للتحولات البيئية، بل تقدم ليكون المحرك الأساسي والشريك الفاعل في صياغة “الاستراتيجية الوطنية لمشاركة الشباب في العمل المناخي والبيئي في أفق 2035”.
إنها وثيقة تاريخية تعكس وعيًا متجذرًا جيلًا بعد جيل، وتعلن رسميًا نهاية عصر القرارات المسقطة، وبداية عهد جديد يتكلم فيه الابتكار الشبابي لغة الحلول البديلة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

يتجاوز هذا الحراك التونسي الجديد فكرة “المشاركة الصورية” أو التمثيل الرمزي للشباب في اللجان الاستشارية، ليتحول إلى إعادة هيكلة جذرية لآليات صنع القرار البيئي في البلاد.
من خلال التحالف الاستراتيجي بين وزارتي البيئة والشباب والرياضة، وبدعم من الهياكل الأممية، يفرض الشباب التونسي رؤيته القائمة على تطويع التكنولوجيا الحديثة ونظم الذكاء الاصطناعي لرصد التغيرات المناخية، واستنباط حلول ذكية لإدارة شح المياه وتثمين النفايات.
هذا التحول التحليلي العميق يؤكد أن الجيل الحالي يمتلك ميزة تنافسية تتمثل في القدرة على الربط بين التطور الرقمي والعدالة المناخية، وهو ما يمنح الاستراتيجية الوطنية عمقًا ميدانيًا يفتقر إليه التخطيط البيروقراطي التقليدي.

تتجلى عبقرية هذه الرؤية في الانتقال من المركزية “العاصمة” إلى ديمقراطية العمل المناخي المحلي، حيث باتت الأقاليم الخمسة للجمهورية ممثلة بنقاط اتصال شبابية منتخبة تقود قاطرة التغيير من الداخل.
هذا الترابط الوثيق بين ما هو محلي وما هو وطني يسمح بتقديم إجابات خصوصية لكل جهة؛ فالشاب في قابس يركز على التلوث الصناعي والتنوع البيولوجي الواحي، بينما يستنفر الشاب في بنزرت أو نابل لإنقاذ الشريط الساحلي من الانجراف.
إنها شبكة أخطبوطية من الوعي تضمن تحويل الالتزامات الدولية لتونس في اتفاق باريس للمناخ إلى ممارسات يومية ومشاريع ريادية خضراء تخلق فرص عمل حقيقية وتدفع بقطاع السياحة المستدامة والبيئية نحو آفاق جديدة.

إن الرهان على أفق عام 2035 ليس مجرد اختيار لتاريخ رمزي، بل هو سباق مع الزمن لتثبيت دعائم اقتصاد دائري منخفض الانبعاثات الكربونية، تكون فيه الطاقة المتجددة والمبادرات الشبابية هي العمود الفقري للدولة.


تونس اليوم، وعبر هذا النموذج التشاركي الفريد، تبعث برسالة قوية إلى محيطها الإقليمي والدولي مفادها أن الاستثمار في عقول الشباب وفكرهم البيئي هو الخط الدفاعي الأول والأقوى ضد التهديدات الوجودية للتغير المناخي. وحينما يمسك أبناء قرطاج بزمام المبادرة الأخلاقية والعلمية لحماية أرضهم، فإنهم لا يدافعون عن بيئتهم وفقط، بل يكتبون فصلاً جديداً من فصول السيادة الوطنية الخضراء.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *