جليلة كلاعي تونس
حين يمتزج صرير أوتار الكمان بذكر الروح في فضاء يفوح بعطر التاريخ، تتجاوز الموسيقى كونها مجرد نغمات عابرة لتصبح طقسًا وجوديًا يعيد صياغة الهوية الثقافية لشعوب بأكملها. هذا تحديدًا ما شهده ركح قصر الرباط الأثري، حيث تلاقت مئة كمنجة ونيف، تحت قيادة المايسترو العالمي زياد الزواري، مع الترددات الصوفية العميقة لرجال عوامرية سيدي عامر، ليعلنا معًا افتتاح الدورة الثالثة والخمسين لمهرجان المنستير الدولي.
لم يكن هذا الحدث مجرد انطلاق لموسم الفرح الصيفي في تونس، بل كان إعلانًا فنيًا وسياسيًا واجتماعيًا بالغ العمق، يثبت أن التراث ليس جدرانًا ميتة، بل هو كائن حي يتنفس، يتطور، ويسافر عبر الأجيال والحدود دون أن يفقد نبضه الأصيل.

تتجلى عبقرية هذا العرض الاستثنائي في تلك الاستراتيجية التنظيمية اللامركزية التي اعتمدها الدكتور زياد الزواري. فالمشروع لم ينطلق من المركز ليفرض نفسه على الهوامش، بل نبت من عمق الأقاليم والجهات التونسية.
من خلال تعيين مؤطرين محترفين وأساتذة موسيقى في كل جهة لتأهيل طاقات شابة وطلبة شغوفين، نجح الزواري في تحويل الفعل الثقافي إلى ورشة وطنية ممتدة.
أربعة أجيال متعاقبة، صعدت على الركح لتضم مئة وأربعين عازفًا، يتراوحون بين طفل في السابعة وشيخ شارف على الستين، في مشهد سيميائي دال يعكس استمرارية العطاء الفني التونسي.
هذه التركيبة البشرية الفسيفسائية جعلت من العرض جسدًا واحدًا يترجم النوتة ذاتها في نفس اللحظة، ليبعث برسالة قوية ومباشرة للعالم مفادها أن تونس لا تزال منبتًا خصبًا للمواهب الإبداعية القادرة على التكتل والإنتاج الجماعي المنظم.




