آخر الأخبار

تأملات في عيادة جعفر القاسمي: عندما تتحول الخشبة إلى مرآة تسكنها الهوية والوجع التونسي

شارك

جليلة كلاعي تونس

لم يعد المسرح في تونس مجرد مساحة للمتعة البصرية الفجائية أو الضحك العابر، بل تحول في محطات كبرى إلى عيادة نفسية جماعية تُشرّح الواقع وتُسائل الكينونة.
هذا ما يتجلى بوضوح في العرض المرتقب لـ “وان مان شو” الجديد للفنان جعفر القاسمي المعنون بـ “PSY”، والمقرر إقامته في السادس والعشرين من جويلية بمنتزه أمين بشنني بڨابس ضمن فعاليات مهرجان الحناء.
إن هذا الموعد لا يمثل مجرد عينة من جولات صيفية لفنان كوميدي، بل هو عودة استثنائية لصانع فرجة انقطع عن الركح لأربع سنوات، عودة محملة بأسئلة ثقيلة يطرحها فنان خبر تفاصيل الوجع الشعبي التونسي واختار هذه المرة أن يرتدي وزرة الطبيب النفسي ليواجه جمهوره بمرآة ذواتهم المشروخة.

يرتكز العرض في عمقه التحليلي على ثنائية الطبيب والمريض، وهي ثنائية لا تنفصل عن الواقع المجتمعي التونسي الراهن الذي يعيش حالة من التجاذب والضغط النفسي اليومي.
من خلال ملصق العرض الذي يظهر فيه القاسمي ببدلة بيضاء ناصعة ونظرة فاحصة تجمع بين السخرية والشفقة، يبدو واضحاً أن العمل يتجاوز حدود “النكتة” السطحية ليغوص في سيكولوجية الجماهير.
إن اختيار عنوان كـ “PSY” يحيلنا مباشرة إلى مفهوم التطهير الأرسطي القديم، حيث يصبح المسرح أداة لتفريغ الكبت الفكري والاجتماعي، ويتحول الضحك من مجرد رد فعل فيزيولوجي إلى آلية دفاعية لمواجهة الأزمات، مما يجعل الجمهور شريكاً في العملية العلاجية وليس مجرد متلقٍ سلبي.

تكتسب هذه المحطة الإبداعية في شنني الصامتة طابعاً ثقافياً وسياحياً بالغ الأهمية، إذ يعكس اختيار هذا الفضاء الحاضن للموروث والذاكرة رغبة في لامركزية الفعل الثقافي وربطه بجذور الهوية المحلية.
إن تنظيم مثل هذه العروض النخبوية بجماهيريتها يوفر فرصة ذهبية لإنعاش السياحة الثقافية الداخلية، حيث تتحول المنطقة إلى قبلة لعشاق الفن الرابع ومتابعي النجوم، مما يمنح المهرجانات الجهوية كمهرجان الحناء زخماً إعلامياً واقتصادياً يساهم في إبراز الخصوصيات التراثية والبيئية لجنوبنا التونسي.
في هذا السياق، يصبح الفن رافعة حقيقية للتنمية، قادرة على تحويل الليالي الصيفية إلى حركية اقتصادية وثقافية متكاملة تلامس روح المكان والإنسان معاً.

ختاماً، يمكن القول إن ليلة السادس والعشرين من جويلية لن تكون مجرد سهرة عادية، بل ستكون بمثابة تشخيص فني حيّ لواقعنا المعاصر بصوت جعفر القاسمي الذي عودنا على اقتناص اللحظة الإنسانية الأكثر صدقاً وعمقاً.

تنطلق هذه الرحلة السيكو-كوميدية في تمام العاشرة ليلاً، ويمكن للراغبين في خوض هذه التجربة حجز مقاعدهم عبر المنصة الرقمية (Guichet.tn) أو من خلال شبابيك المهرجان، مع توفر خط استعلامات مباشر (25445656) لتسهيل العبور إلى هذه العيادة المسرحية المفتوحة. إنها دعوة مفتوحة للضحك والتأمل، لمداواة الروح بالفن، ولإعادة اكتشاف أنفسنا من خلال عين مبدع لم يزد غيابه الركحي إلا عمقاً واقتراباً من نبض الشارع التونسي.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *