جليلة كلاعي تونس
تحت ظلال حجارة المسرح الأثري بقرطاج التي شهدت تعاقب الحضارات، لا يقف الفنان مجرد مؤدٍّ لألحان عابرة، بل يتجلى كحارس للذاكرة الجمعية ومترجم لأشواق الشعوب.
في تلك الليلة الاستثنائية من ليالي المهرجان الدولي العريق، لم يكن اعتلاء النجمة التونسية يسرى محنوش الركح مجرد إحياء لسهرة غنائية نفدت تذاكرها خلف شبابيك مغلقة، بل كان إعلاناً صريحاً عن نضوج تجربة موسيقية استثنائية نجحت في تفكيك الشفرات المعقدة للموروث الطربي الشرقي وإعادة صياغتها بروح تونسية خالصة.
لقد تحول الفضاء التاريخي إلى ساحة لحوار ثقافي رفيع، اختبر فيه الجمهور قدرة الصوت البشري على هدم الحدود الوهمية بين المدارس الموسيقية، والانتقال بسلاسة مدهشة من عمق التخت الشرقي الرصين إلى فوران الإيقاع الشعبي التونسي، مكرساً مفهوماً جديداً لـ “السلطنة” لا يستند إلى المحاكاة، بل يقوم على إعادة الابتكار والتأصيل.
تبدت العبقرية التحليلية في برنامج الحفل من خلال تلك الهندسة الذكية التي اعتمدتها محنوش في إدارة الوجدان الجماعي لآلاف الحاضرين، حيث لم يكن البدء بروافد المدرسة الشرقية مجرد تحية تقليدية لرموز الطرب الأصيل من أم كلثوم وعبد الحليم حافظ ووردة، بل كان استعراضاً لأدوات تقنية معقدة وتمكناً من المقامات الحجازية والبياتية التي تشكل عماد الشجن العربي.
عندما صدح صوتها برائحة ملحم بركات أو شجن جورج وسوف، لم تكن تستدعي الحنين الساذج إلى الماضي، بل كانت توظف المساحات العريضة لصوتها والتحكم في العرب الصوتية الدقيقة لتثبت أن الأصالة هي تيار متصل لا ينقطع.
هذا النَفَس الطربي الطويل شكّل القاعدة الرصينة التي انطلقت منها لتقدم إنتاجها الخاص، فأغنيات مثل “يا روحي ويا دادا” أو “زينوبة” لم تعد مجرد قطع موسيقية معاصرة، بل تحولت في تلك السهرة إلى جسر عبور يربط بين وقار الطرب الكلاسيكي وديناميكية الأغنية الحديثة، حيث تماهت الكلمة الرشيقة مع اللحن الذكي ليخلقا حالة من الاستجابة الشعورية الفورية التي قلما تتحقق في المسارح الكبرى.
ومع تصاعد وتيرة الإيقاع، بلغت السهرة ذروتها الفلسفية والفنية عندما انفتحت البوابة على “النوبة التونسية”، وهي اللحظة التي لم تكن مجرد تغيير في الأنماط الموسيقية، بل كانت عودة واعية إلى الجذور الصوفية والشعبية التي تشكل الوعي التونسي.
إن الانتقال من انضباط الجملة الموسيقية الشرقية إلى التحرر الإيقاعي لنغمات “يا الشاذلي” و”رايس البحار”، وصولاً إلى خصوصية “النوبة البنزرتية”، يمثل قراءة عميقة لتعدد المرجعيات الثقافية للفنان التونسي.
تحت قيادة المايسترو عبد الباسط بلقايد، تحول الأوركسترا إلى كائن حي يترجم هذا المزيج، حيث تآخت الآلات الغربية مع الدربوكة والمزود في تناغم نادر، مما يفسر كيف يمكن للموروث الشعبي أن يكتسي حلة أوركسترالية فاخرة دون أن يفقد هويته الفطرية أو نبضه الحيوي الذي يشعل المدرجات.




