آخر الأخبار

تونس الخضراء في ميزان السياحة الحلال لعام 2026: عراقة الهوية وتحديات التحول الرقمي

شارك

جليلة كلاعي تونس

تخيل مدينة يمتزج فيها صوت الأذان المنبعث من مآذن القيروان العتيقة بنسيم البحر الأبيض المتوسط، حيث تروي أحجار جامع الزيتونة المعمور تفاصيل قرون من المجد الفكري. هذه ليست مجرد لوحة استشراقية، بل هي جوهر التجربة التي تقدمها تونس للمسافر المسلم.


وفي وقت يشهد فيه قطاع السياحة الإسلامية العالمي طفرة غير مسبوقة مدفوعة بوعي جيل جديد من المسافرين الباحثين عن الأصالة، أصدرت مؤسسة “كريسنت ريتينغ” بالتعاون مع ماستركارد تقرير المؤشر العالمي للسفر الإسلامي GMTI 2026.
هذا التقرير لا يقدم مجرد أرقام جافة، بل يرسم خارطة طريق جيوسياسية واقتصادية لمدى جاهزية الدول لاستقطاب هذه السوق الضخمة، الممتدة من الخليج العربي إلى جنوب شرق آسيا.
ومن وسط هذا الزخم، يبرز السؤال الجوهري حول تموقع تونس، التي حلت في المرتبة العاشرة عربياً والـ 18 عالمياً برصيد 65 نقطة من أصل 100، كحالة دراسية تستحق التحليل العميق لمعرفة أين تكمن قوتها، وما الذي ينقصها لتتبوأ الصدارة.
إن القراءة المتأنية لحلول تونس في هذه المرتبة، وسط منافسة شرسة تقودها دول الخليج العربي كالسعودية وقطر والإمارات، تكشف عن معادلة دقيقة تجمع بين الإرث الحضاري الجاهز بطبيعته، وبين البنية التحتية والخدمية التي تحتاج إلى إعادة صياغة.
تونس لا تحتاج إلى تصنيع “بيئة حلال”، فهي تمتلكها بالفطرة التاريخية والاجتماعية؛ فالطعام الحلال متوفر في كل زاوية، والمساجد التاريخية تمثل معالم جذب بحد ذاتها، والأمان المجتمعي والترحيب بالزوار يشكل جزءاً من الهوية الثقافية التونسية.
هذا الرصيد القيمي جعلها تحافظ على موقعها كوجهة مفضلة للعائلات العربية والإفريقية التي تبحث عن السياحة المحافظة والاقتصادية في آن واحد. ومع ذلك، فإن ثبات تونس في نفس مستوى العام الماضي يعكس حالة من الركود النسبي في مواجهة قطار التطوير السريع الذي تقوده وجهات أخرى استثمرت بشكل مكثف في تسهيلات الوصول والربط الجوي، وتطوير الفنادق الفاخرة التي تلبي أدق تفاصيل الرفاهية المتوافقة مع الشريعة.

المعضلة الحقيقية التي يطرحها مؤشر عام 2026، والتي تفسر الفجوة بين تونس والمراكز الأولى، تكمن في محور “الاتصال والرقمية”.
لقد دخلت السياحة الإسلامية عصر الذكاء الاصطناعي، حيث لم يعد المسافر المسلم يبحث فقط عن فندق يوجهه نحو القبلة، بل أصبح يعتمد على خوارزميات ذكية تتنبأ باحتياجاته، وتوفر له منصات حجز متكاملة ومخصصة، وهو ما تفوقت فيه دول مثل ماليزيا وإندونيسيا رقمياً.
وهنا يظهر التحدي أمام الفاعل السياحي التونسي؛ فالوجهة التونسية بحاجة ماسة إلى رقمنة مخزونها الثقافي والديني ليصبح مرئياً ومتاحاً في الفضاء السيبراني الذكي. إن تحويل الزيارة إلى القيروان أو التجول في أسواق تونس العتيقة وجزيرة جربة إلى تجارب رقمية تفاعلية وقابلة للحجز المسبق عبر تطبيقات مرنة، هو الجسر الوحيد الذي سينقل تونس من مرتبة “الوجهة التقليدية الدافئة” إلى “الوجهة الذكية المستدامة” التي تجذب جيل الألفية والجيل الرقمي الجديد من المسافرين المسلمين.
في الختام، يمثل ترتيب تونس في مؤشر السفر الإسلامي لعام 2026 جرس تذكير بضرورة الانتقال من الاستثمار في “المخزون التاريخي” إلى الاستثمار في “المستقبل الرقمي والخدمي”.


إن الـ65 نقطة التي حصدتها الخضراء هي شهادة على عمق هويتها الإسلامية وجاذبيتها الفطرية، لكن القفز نحو المراكز العشرة الأولى عالمياً يتطلب رؤية استراتيجية وطنية تدمج سياحة التراث بالتكنولوجيا الذكية، وتفتح آفاقاً جديدة للطيران الاقتصادي والخدمات الفاخرة؛ فالسياحة الإسلامية اليوم لم تعد مجرد قطاع هامشي، بل هي محرك اقتصادي عالمي، وتونس تمتلك كل المقومات لتكون في قلب هذا المحرك، لا على هوامشه.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *