آخر الأخبار

تونس الخضراء تقطف سوسنة عمان: آية باللآغة والعبور نحو سينما مغايرة

شارك

جليلة كلاعي تونس

لم يكن مجرد تتويج عابر ذلك الذي شهدته أروقة مهرجان عمان السينمائي الدولي في دورته السابعة؛ بل كان إعلاناً صريحاً عن ولادة جيل سينمائي عربي جديد يرفض القوالب الجاهزة، ويختار الممرات الوعرة ليعبر منها نحو الكونية.


حين صعدت الفنانة التونسية الشابة آية باللآغة لتتسلم جائزة أفضل ممثلة رئيسية لأول مرة عن دورها في فيلم “وين ياخدنا الريح”، لم تكن ترفع مجرد مجسم برونزي، بل كانت تزيح الستار عن مدرسة تمثيلية تونسية جديدة، تتكئ على الصدق العاري، وتتحرك في المساحات الفاصلة بين الواقعية القاسية والشاعرية الحالمة.
هذا الفوز يحمل في طياته دلالات فنية عميقة تتجاوز بهجة التكريم، ليعيد صياغة التوقعات حول مستقبل السينما المغاربية وقدرتها على قيادة المشهد العربي.

تكمن القوة التحليلية لأداء آية باللآغة في قدرتها الفذة على تجسيد شخصية “عليسة”، تلك الفتاة التي تقف على حافة تسعة عشر عاماً من الأحلام المجهضة والمحاصرة بوقع اجتماعي ثقيل.
لم يكن الأداء هنا مجرد محاكاة لسيناريو مكتوب، بل كان عملية تقمص سيكولوجي معقدة، حيث نجحت باللآغة في تحويل الصمت إلى لغة، والنظرات الحائرة إلى تساؤلات وجودية تؤرق المتلقي.
من خلال رحلتها عبر الجنوب التونسي الشاسع والقاسي برفقة “مهدي”، تحول جسد الممثلة إلى مرآة تعكس انكسارات جيل كامل يبحث عن “الهروب عبر الخيال”، في مواجهة جغرافيا لا ترحم، وظروف اقتصادية واجتماعية خانقة، وهو ما جعل أداءها يلامس شغاف لجنة التحكيم برئاسة النجمة هند صبري، التي رأت في هذا الحضور الفني البكر نضجاً مبكراً يستحق الاحتفاء.

إن هذا التتويج يضع فيلم “وين ياخدنا الريح” للمخرجة آمال قلاتي في سياق سينمائي أرحب، فهو لا ينعزل عن مسيرة من النجاحات التي بدأت من أيام قرطاج السينمائية وصولاً إلى منصات عالمية كصاندانس ومهرجان مالطا الدولي.
يثبت هذا التراكم من الجوائز أن السينما التونسية المعاصرة لم تعد تكتفي بتقديم القضايا المحلية في إطار توثيقي، بل أصبحت تصهر الهوية المحلية في بوتقة بصرية وفلسفية يفهمها العالم أجمع.
الجائزة الممنوحة لآية باللآغة ليست إنجازاً فردياً بقدر ما هي انتصار لرؤية إخراجية وثقت في الوجوه الجديدة، وجعلت من عفوية الأداء وخطورة التجريب الرهان الأول لنجاح العمل الفني، مما يفتح الباب واسعاً أمام جيل جديد من المبدعين التونسيين لفرض إيقاعهم الخاص على الساحة العربية.
في المحصلة، يرسخ مهرجان عمان السينمائي الدولي مكانته كمنصة حيوية لاكتشاف المواهب وتثبيت ركائز “الفيلم الأول”، بينما يخرج الفن التونسي من هذه الدورة بفيض من الاعتراف والتقدير الذي يستحقه.


إن فوز آية باللآغة يؤكد أن الحيوية الثقافية في تونس لا تزال ولادة، وأن السينما هناك تملك مخزوناً لا ينضب من الحكايات والوجوه القادرة على السفر بعيداً خلف الحدود. هذا الإنجاز هو دعوة متجددة لصناع السينما والنقاد على حد سواء، لإعادة قراءة المشهد السينمائي التونسي الجديد ليس كظاهرة مؤقتة، بل كحركة فكرية وجمالية راسخة تعيد صياغة وعينا بالواقع من خلال شاشة الفن الساحرة.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *