تتحرك الدبلوماسية الثقافية اليوم في عالمنا العربي ليس فقط كأداة للتعارف الإنساني، بل كركيزة أساسية لحفظ الهوية الوطنية وتحقيق التنمية المستدامة، وهو ما تجلى بوضوح في اللقاء الرفيع الذي جمع وزيرة الشؤون الثقافية التونسية أمينة الصرارفي بسفير سلطنة عُمان بتونس هلال بن عبد الله السناني. هذا اللقاء لا يمثل مجرد بروتوكول دبلوماسي عابر، بل يعكس عمق الإدراك المشترك بين تونس ومسقط لأهمية الرصيد الحضاري الذي يمتلكه البلدان، والوعي بضرورة تحويل هذا الإرث المادي واللامادي إلى جسور حية للتواصل والاستثمار الثقافي بعيد المدى. إن النظر في تفاصيل هذا التعاون يكشف عن رغبة صادقة في صياغة نموذج يحتذى به في العمل العربي المشترك، حيث تلتقي الخبرات التونسية العريقة في إدارة الشأن الثقافي مع الرؤية العُمانية الرصينة التي تضع التراث في مقدمة أولوياتها السيادية والحضارية.
تأتي مسألة صيانة المعالم التاريخية في مدينة القيروان، ومتابعة صرف القسط الثاني من الهبة العُمانية المخصصة لهذا الغرض، لتؤكد أن الدعم العُماني يتجاوز البعد المالي الإجرائي إلى استشعار القيمة الرمزية العالمية لهذه المدينة، فالقيروان ليست مجرد جغرافيا تونسية، بل هي منارة إسلامية وفكرية تهم الوجدان العربي والإسلامي بأكمله، وإعادة ترميم معالمها يسهم مباشرة في إحياء الذاكرة الجماعية وتحفيز السياحة الثقافية التي باتت تشكل رافداً اقتصادياً حيوياً. هذا البعد التحليلي يمتد أيضاً إلى الاتفاق على وضع خطة عمل مشتركة لترميم “جامع ولحي” بجزيرة جربة، وهو معلم أثري فريد يعود إلى القرن الثالث عشر الميلادي، مما يبرز دقة الاختيارات الميدانية التي تركز على المواقع ذات الخصوصية المعمارية والتاريخية الاستثنائية، خاصة بعد إدراج جربة على لائحة التراث العالمي لليونسكو، وهو ما يمنح مشاريع الترميم هذه أبعاداً دولية تضع الإرث المشترك في مصاف الاهتمام العالمي.
ولم يتوقف هذا الحوار الاستراتيجي عند حدود الماضي وترميم الحجارة، بل امتد ليشمل صناعة الحاضر والمستقبل الثقافي عبر مقترح تطوير الشراكة والتبادل بين مسرح الأوبرا بمدينة الثقافة بتونس ودار الأوبرا السلطانية بمسقط. هذا الربط بين مؤسستين من أعرق المنصات الفنية في المنطقة العربية يعكس رغبة في الارتقاء بالمنتج الإبداعي، وتبادل الخبرات التقنية والفنية في إدارة العروض الكبرى، وتدريب الكفاءات الشابة، مما يمهد الطريق لإنتاج أعمال فنية مشتركة تمزج بين الأصالة التونسية والروح العُمانية.
إن هذا التكامل المؤسساتي، مدعوماً بتكثيف التكوين الأكاديمي المتبادل وتيسير مشاركة المبدعين في المهرجانات الوطنية للبلدين، يضمن استدامة هذه الشراكة وتحولها من مجرد اتفاقيات ورقية إلى حراك ثقافي ملموس يعيشه الفنان والمثقف والمواطن في كلا البلدين، مما يؤسس لمرحلة جديدة من التلاحم الفكري والفني بين المغرب والمشرق العربي.