تتمتع الجزر بروح خاصة تجعلها عصية على النسيان، لكنها تظل دائماً رهينة معادلة دقيقة بين العزلة الساحرة والحاجة الحيوية للإنماء، وفي قلب هذا التحدي، تبرز جزيرة قرقنة التونسية اليوم لا كأيقونة بيئية وتراثية فحسب، بل كنموذج للمجتمعات المحلية التي تعيد صياغة مستقبلها الاقتصادي برؤية استراتيجية واثقة. يأتي ضخ اعتمادات مالية إضافية بقيمة تسعمائة وتسعين ألف دينار لفائدة بلدية قرقنة، ضمن البرنامج الوطني لدعم البلديات السياحية الممول من صندوق حماية المناطق السياحية، ليمثل نقطة تحول حقيقية تتجاوز مجرد الدعم المالي العابر إلى مربع الاستثمار الذكي في استدامة الوجهات الفريدة. هذا القرار لا يقرأ في سياق الأرقام الجافة، بل هو انعكاس مباشر للزيارات الميدانية الحكومية التي تدرك أن صناعة السياحة المعاصرة لم تعد تقتصر على الفنادق الفاخرة، بل تبدأ من البنية التحتية الصلبة، ونظافة المحيط، وجودة الحياة اليومية التي تلامس الزائر والمواطن على حد سواء.
التعمق في تفاصيل توزيع هذه الميزانية يكشف عن فهم حقيقي لأولويات العمل التنموي في البيئات الجزرية، حيث تم تخصيص النصيب الأكبر منها، بواقع أربعمائة وخمسين ألف دينار، لاقتناء شاحنة ضاغطة لجمع النفايات المنزلية، وهي خطوة محورية تعالج الهاجس البيئي الأول في الجزر، فنظافة الشواطئ والمحيط الحيوي ليست ترفاً جمالياً بل هي حجر الأساس لأي جاذبية سياحية مستدامة. بالتوازي مع هذا الجهد البيئي، يتجه التمويل نحو إضاءة شرايين الجزيرة برصد مائة وتسعين ألف دينار لتوسعة وتجديد شبكة التنوير العمومي في المحور الحيوي الممتد بين “سيدي يوسف” و”مليتة”، مما يضمن سلامة التنقل ويعزز الأمن البصري والحركة الليلية التي يرتكز عليها قطاع الترفيه والسياحة الداخلية. وتكتمل هذه الحلقة التنموية بتخصيص ثلاثمائة وخمسين ألف دينار لترصيف وتهيئة المسالك المؤدية مباشرة إلى الشواطئ بالمنطقة السياحية، وهو استثمار مباشر في تيسير التدفقات البشرية نحو الخط الساحلي، وتأهيل الفضاءات العامة لتكون مستجيبة لتطلعات العائلات التونسية والوافدين الباحثين عن الاستجمام في ظروف مريحة ولائقة.
إن هذا الدعم الاستثنائي يبعث برسالة قوية مفادها أن قرقنة، برغم التحديات اللوجستية التي تفرضها طبيعتها الجغرافية، تسير بثبات نحو التحول إلى وجهة سياحية رائدة لا تعتمد فقط على موسمية الصيف، بل تؤسس لسياحة مستدامة تحترم خصوصية الجزيرة الإيكولوجية والتراثية. العمل المشترك بين السلطات البلدية والمندوبية الجهوية للسياحة بصفاقس يعكس وعياً جماعياً بأن الموارد المرصودة حالياً، على أهميتها، هي خطوة أولى ضمن مخطط شامل يتطلب مواصلة تعبئة الطاقات والتمويلات لتنفيذ بقية المقترحات التنموية المعطلة.
في نهاية المطاف، تكشف هذه الخطوة أن الاستثمار في البنية البلدية للمدن السياحية هو الاستثمار الحقيقي والأكثر جدوى في الاقتصاد الإنساني، حيث تصبح جودة محيط العيش هي المروج الأول للمكان، وحيث تواصل قرقنة كتابة قصتها الشاعرية مع البحر، لكن هذه المرة بأدوات تنموية حديثة تضمن لها البقاء والتميز في خارطة السياحة العربية والدولية.