آخر الأخبار

أسرار زامة الخفية: حين تروي ينابيع سليانة قصة النقاء والتاريخ

شارك

عبد الوهاب البراري ـ تونس السياحة العربية

في قلب الشمال الغربي التونسي، حيث تتشابك ظلال التاريخ مع هيبة الطبيعة، تنام ولاية سليانة على واحد من أثمن أسرارها الجيولوجية والتاريخية. إنها منطقة “زامة” أو “جامة” الأثريّة.


لا تكمن عظمة هذا المكان في بقايا معالمه الرومانية والقرطاجية التي شهدت على فصول الحرب والسلام فحسب، بل في سرّ استمرار الحياة وتدفقها عبر آلاف السنين من رحم أرضها.
هنا، بين تجاعيد منطقة “مسّوج” الشامخة وسهولهل الخصبة، تنفجر عيون مائية جوفية فائقة العذوبة، لتقدم نموذجاً فريداً لامتزاج عبقرية المكان بنقاء المورد الطبيعي، وهو ما جعلها منذ فجر التاريخ مقصداً للاستقرار البشري ومحط أنظار الحضارات المتعاقبة التي رأت في مياهها شرياناً لا يجف للممالك والجيوش.

إن التحليل المعمق لجيولوجيا المنطقة يكشف أن هذه الثروة المائية الجوفية تمثل العمود الفقري لوجود زامة بحد ذاته، وليست مجرد ميزة طبيعية عابرة.
تكتسب مياه زامة عذوبتها الأسطورية من خصوصية الهيكل الجيولوجي للظهران التونسي، حيث تعمل الطبقات الصخرية العميقة لجبال المنطقة كمرشحات طبيعية بالغة الدقة.
يمر المطر الهاطل على المرتفعات برحلة تصفية بطيئة ومعقدة عبر مسامات الصخور، مما يجرد المياه من الأملاح الزائدة والشوائب، ويشحنها بالمعادن المتوازنة التي تمنحها طعماً عذباً ونقاءً نادراً.
هذا التدفق الجوفي المستمر لم يكن مجرد ظاهرة طبيعية، بل كان المحرك الأساسي للاقتصاد الفلاحي الذي ميز سليانة عبر العصور، محولاً سهولها المحيطة إلى جنة خضراء تمد المنطقة بالخيرات، وتجعل من عيونها واحة أمان مائي في بيئة لطالما تطلبت إدارة محكمة للموارد.

وتتجلى الأهمية الاستراتيجية لهذه الثروة المائية في كونها صانعة الحضارة ومقصد الجيوش، فالإنسان الذي استوطن هذه الربوع لم يكتفِ باستهلاك عذوبة الينابيع، بل طوّر هندسة مائية متكاملة لجمعها وتوجيهها لحماية أمنه المائي.
تعتبر الصهاريج الرومانية الضخمة وشبكات القنوات المكتشفة في الموقع شاهداً حياً على أن “عذوبة الماء” كانت المادة الاستراتيجية الأولى التي تُبنى حولها المدن وتُحصن بها القلاع.
حتى أن الذاكرة الشفوية والمؤرخين يربطون جغرافية المنطقة ومواقع معاركها الشهيرة بنقاط المياه والآبار الحيوية مثل منطقة “السبعة أبيار”، مما يؤكد أن السيطرة على هذه المنابع العذبة كانت تعني السيطرة على القرار السياسي والعسكري في شمال إفريقيا القديم، حيث كان الماء وما زال عامل الحسم في بقاء المجتمعات وازدهارها.

إن مياه زامة اليوم ليست مجرد ثروة بيئية أو ميزة فلاحية لولاية سليانة، بل هي ثروة وطنية حيوية وعنصر جذب سياحي وثقافي نادر يختزل في طياته حكاية تمازج الإنسان العربي والأمازيغي مع بيئته.


هذه العيون التي ما زالت تتدفق بنقائها القديم تمثل جسراً يربط زائر اليوم بأمجاد الأمس، وتدعو عشاق السياحة البيئية والتاريخية لاستكشاف عمق تونس الأعماق، حيث يمتزج صدى التاريخ بخرير المياه العذبة ليروي فصلاً متجدداً من فصول الحضارة والإنسانية، ويوجه رسالة واضحة حول ضرورة تثمين هذا الإرث المائي المستدام وحمايته كشريان للحياة والتنمية المستقبلية في المنطقة.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *