جليلة كلاعي تونس
في زمن أصبحت فيه السياحة العالمية تبحث عن الأصالة وتلهث وراء التجارب الفريدة التي تروي حكاية الأرض والإنسان، تبرز من أعماق الجنوب الشرقي التونسي جوهرة طبيعية تكسر النمط الكلاسيكي للسياحة الشاطئية، لتعيد رسم خارطة الوجهات البيئية في الوطن العربي.
إنه “جيوبارك الظاهر”، أول حديقة جيولوجية تونسية وعربية تنضم رسمياً إلى الشبكة العالمية للحدائق الجيولوجية لمنظمة اليونسكو، ليعلن هذا الاعتراف الدولي عن ولادة متحف طبيعي مفتوح على مصراعيه، يمتد بروح الشموخ بين ولايات قابس ومدنين وتطاوين، كاشفاً عن أسرار جيولوجية وتاريخية ظلت طي الكتمان لملايين السنين.
هذا الإنجاز ليس مجرد شهادة تكريم لجمالية المكان، بل هو وثيقة ولادة جديدة لنمط تنموي متكامل يرى في باطن الأرض وظاهرها ثروة لا تنضب، وقادرة على تحويل قسوة الطبيعة الصحراوية إلى رافعة اقتصادية واجتماعية تغير واقع المنطقة بأسلوب مستدام.

تكمن العبقرية الاستثنائية لـ “جيوبارك الظاهر” في قدرته الفائقة على دمج الزمان والمكان في بوتقة بصرية وثقافية واحدة؛ فالزائر لهذه المنطقة لا يسير على مجرد رمال وصخور، بل يعبر فصولاً تاريخية سحيقة تعود إلى العصرين الجوراسي والطباشيري، حيث تتحدث المنحدرات والأودية السحيقة بلغة الجغرافيا الأولى، وتكشف الطبقات الرسوبية عن بقايا ديناصورات ونباتات متحجرة شاهدة على تقلبات مناخية وبيئية كبرى.
هذا العمق الجيولوجي الفريد يكتسب بعداً إنسانياً ساحراً عندما يلتقي بالعمارة البربرية الفريدة التي طوعت الجبال، وتجلت في القرى الجبلية المعلقة والمنازل المحفورة في باطن الأرض كقرية مطماطة، فضلاً عن القصور الصحراوية الشامخة التي تقف كحصون تاريخية لحفظ المؤن وحماية الهوية المحلية.
هذا التلاحم العضوي بين إرث الأرض وتراث الإنسان يمنح الجيوبارك هويته كوجهة عالمية لا تشبه غيرها، حيث تذوب الحدود بين علم الجيولوجيا وعلم الإنسان ليشكلا معاً لوحة حية من الإبداع الإنساني والطبيعي.
أبعد من قيمته العلمية والسياحية، يمثل “جيوبارك الظاهر” مشروعاً سيادياً ورؤية استراتيجية واعدة لفك العزلة عن مناطق التنمية المستهدفة في الجنوب التونسي، وتحويل التحديات المناخية والجغرافية إلى فرص استثمارية جاذبة.




