آخر الأخبار

تونس 2026: الجيوسياسة الداخلية للتكنولوجيا.. تفكيك موازين القوى، الجاهزية البنيوية، والآثار الارتدادية على الحقوق والمجتمع

شارك

جليلة كلاعي تونس

خلف الغطاء التقني الكثيف ومصطلحات الحوكمة الرقمية البرّاقة، لا تبدو التكنولوجيا في تونس مجرد أدوات محايدة أو خوادم صمّاء، بل هي أداة سلطة متكاملة تُعِيد تشكيل مراكز النفوذ وتحديد من يملك الحق في التحكم في الثروة الجديدة: “البيانات”.
إن النفاذ إلى عمق التحول الرقمي التونسي يتطلب الكف عن التعامل مع الذكاء الاصطناعي، وإنترنت الأشياء، والحوسبة السحابية كمنتجات تقنية جاهزة للاستعمال، والبدء في مساءلتها عبر تفكيك شفرات التحكم، وفحص الجاهزية البنيوية الحقيقية للدولة، ورصد الآثار الارتدادية لهذه الطفرة على الحقوق والحريات الأساسية، والاقتصاد، والنسيج المجتمعي، وسط تحديات وجودية تواجه المؤسسات والمواطن على حد سواء.

تبدأ معركة التحكم في التكنولوجيا التونسية من سؤال السيادة على البيانات: مَن يوجه هذه الخوارزميات ومَن يملك مفاتيح الخوادم؟
في الوقت الذي تندفع فيه الإدارة نحو رقمنة الخدمات العمومية وبناء منظومات الترابط البيني، تقع سلطة القرار الفعلي غالباً في يد الشركات التكنولوجية الكبرى العابرة للحدود التي توفر البنية التحتية للحوسبة السحابية، نظراً لعدم قدرة مراكز البيانات المحلية الحالية على استيعاب هذا الكم الهائل من التدفقات المعلوماتية.
هذا الاعتماد الهيكلي يخلق نوعاً من “التبعية الرقمية” المفروضة، حيث تصبح السياسات العمومية التونسية، وحتى القرارات السيادية المتعلقة بحماية المعطيات الشخصية، مقيدة بالأطر التنظيمية والتقنية لتلك الشركات.
وعلى الصعيد الداخلي، ينتقل مركز التحكم من الموظف البيروقراطي التقليدي إلى النخب التقنية والمهندسين الواقفين وراء صيانة المنظومات، مما يخلق فجوة حوكمة داخل مؤسسات الدولة نفسها، حيث تصبح القيادات الإدارية تابعة تقنياً لقرارات “التقنوقراط” والمطورين دون قدرة فعلية على تقييم خياراتهم أو مراقبة خوارزمياتهم.

أما عند فحص جاهزية تونس لاستيعاب هذه الطفرة، فإن القراءة التحليلية تكشف عن انفصام حاد بين سرعة التشريعات وبطء الواقع، فبينما تُوّجت تونس كـ “عاصمة رقمية عربية لعام 2026” تظل جغرافية الرقمنة مجزأة وظالمة.
هناك فجوة رقمية وإقليمية حادة بين تونس الكبرى والمدن الساحلية التي تحتضن مشاريع “المدن الذكية” والمؤسسات الناشئة، وبين الجهات الداخلية التي لا تزال تعاني من ضعف شبكات التدفق العالي والإنترنت الأساسي.
هذه الجاهزية الهشة تعني أن الدولة تطلق منصات متطورة جداً على ورق، لكن قدرة الإدارة المحلية في المعتمديات والبلديات على استيعابها وتطبيقها تظل مكبلة بضعف التكوين المستمر للموظفين، وتآكل المعدات التقنية، ومقاومة التغيير النابعة من الخوف من فقدان الامتيازات البيروقراطية التقليدية.

إن الأثر الأكثر خطورة لهذا التحول المتسارع يظهر بوضوح على جبهة الحقوق والحريات، فالذكاء الاصطناعي التحليلي المستخدم في فرز البيانات الجبائية والمالية، ومنظومات المراقبة الذكية عبر الكاميرات وإنترنت الأشياء، يتحول تدريجياً من أداة لتسهيل الحياة إلى آلية “رقابة رقمية ناعمة”.
يضع هذا التداخل الهيئة الوطنية لحماية المعطيات الشخصية في مواجهة مباشرة مع الأجهزة التنفيذية، حيث يهدد غياب الأطر الأخلاقية الصارمة للخوارزميات بتحويل الحق في الخصوصية إلى رفاهية مهجورة، خاصة عندما تُستخدم البيانات الشخصية للمواطنين دون وعي كامل منهم لتقييم ملاءمتهم الاجتماعية أو الاقتصادية للحصول على الدعم والمساعدات.
وعلى الصعيد الاقتصادي والاجتماعي، تفرض التكنولوجيا المالية (FinTech) والأتمتة (Automation) إعادة صياغة قاسية لسوق الشغل، فالشركات الناشئة والمؤسسات المالية التي تتبنى الحلول الرقمية بدأت بالفعل في تقليص حاجتها إلى الوظائف المكتبية والخدماتية التقليدية، مما يهدد بتعميق أزمة البطالة بين خريجي الجامعات في التخصصات الكلاسيكية، ويدفع نحو طبقية اجتماعية جديدة تفصل بين “النخبة الرقمية” المهيمنة والعمالة التقليدية المهددة بالإقصاء التام.

أمام هذا الواقع المعقد، تجد الدولة التونسية ومؤسساتها ومواطنوها أنفسهم أمام تحديات غير مسبوقة تلامس جوهر العقد الاجتماعي.
تواجه الدولة تحدي الحفاظ على سيادتها وإنفاذ قوانينها في فضاء سيبراني عابر للحدود، في حين تطالبها المؤسسات الاقتصادية بمرونة تشريعية وثورة في قوانين الصرف والتحويل المالي لتتمكن من منافسة الأسواق العالمية.


أما المواطن، فيظل الحلقة الأضعف؛ إذ يُطالب بالاندماج في نظام عالي الرقمنة دون حماية كافية من مخاطر الهجمات السيبرانية وسرقات الهوية، ودون ضمانات فعلية بأن الآلة والخوارزميات ستعامله بعدالة وإنصاف بعيداً عن التحيز الرقمي الذي قد يحرمه من حقه في الخدمة أو الدعم بضغطة زر خاطئة.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *