جليلة كلاعي تونس
لم يكن اعتلاء السيدة ماجدة الرومي لركح المسرح الأثري بقرطاج مجرد حفل اختتام اعتيادي لدورة ستينية أريد لها أن تكون استثنائية، بل كان تجسيداً حياً لطقس ثقافي مهيب امتزج فيه التاريخ بالأسطورة، وتماهت فيه جغرافيا بيروت الجريحة مع عبق قرطاج التليد.
في تلك الليلة الاستثنائية، تحول المدرج الروماني العتيق إلى ساحة لتبادل الوفاء، حيث لم تأتِ الماجدة لتغني فحسب، بل جاءت لتقدم وثيقة عشق فنية متبادلة، وتترك على تلك الحجارة الضاربة في عمق التاريخ صوتاً يتحدى النسيان وعنواناً عريضاً لزمن الفن الجميل الذي يرفض الأفول، وسط طوفان بشري جاء ليعيد ترتيب أبجديات الذوق الرفيع.
لقد حملت هذه السهرة في طياتها أبعاداً تحليلية تتجاوز البعد الترفيهي العابر، إذ مثلت العودة المنتظرة للفنانة اللبنانية الكبيرة بعد ثماني سنوات من الغياب قراءة واعية لحاجة الوجدان الثقافي العربي إلى ركائز أصيلة يستند إليها في زمن التحولات الفنية المتسارعة.
إن استحضار ملصق حفلتها الأولى في ذات المكان عام 1980 قبيل صعودها على الشاشة الكبيرة لم يكن مجرد لمسة نوستالجيا عابرة، بل كان إعلاناً ذكياً عن استمرارية مدرسة فنية حافظت على رصانتها وألقها على مدى أربعة عقود.
هذا الربط الذكي بين الماضي والحاضر شكّل المفتاح الإستراتيجي اللمسة الإخراجية للحفل، حيث امتزجت دقات القلوب الحاضرة بصدى الذكريات القديمة، ليعلن للجميع أن قرطاج لا يمنح صكوك الخلود إلا لمن أخلص للكلمة واللحن.

وفي عمق الأداء، تجلى ذكاء الماجدة الفني والسياسي في قدرتها الفائقة على تحويل المنصة الثقافية إلى رسالة سلام وتضامن بين تونس ولبنان، واصفة اللقاء بـ “العرس” في لحظة تجسد أرقى مستويات الدبلوماسية الثقافية.
ولم تكتفِ الفنانة بتقديم روائعها الكلاسيكية الخالدة التي حفظتها الأجيال مثل “كلمات” و”كن صديقي”، بل غاصت في عمق الهوية التونسية من خلال اعتمارها الشاشية التقليدية ومغازلتها للعلم الوطني، قبل أن تقدم “ميدلي” تراثياً تونسياً ذكياً أعاد صياغة أغانٍ محفورة في الوجدان الشعبي برؤية طربية رفيعة، أثبتت من خلالها أن الفن الحقيقي هو الذي يذوب في خصوصية الأرض التي يغني عليها. حتى مغامرتها الفنية بتقديم أغنية “توبة” للعندليب الأسمر جاءت لتؤكد قدرتـها على تملك الموروث الموسيقي العربي وإعادة إنتاجه ببصمتها الملائكية الخاصة.




