آخر الأخبار

واحة الفنون في مواجهة الرمال: كيف تحولت ثقافة “جبل سمامة” إلى درع عالمي ضد التصحر؟

شارك

عبد الوهاب البراري ـ تونس السياحة العربية

حين تزحف الرمال، لا تبتلع الأرض خضرتها فحسب، بل توشك أن تطمس معها حكايات البشر، وتراث الأجداد، وأغاني الرعاة التي تناقلتها الأجيال كصكوك ملكية روحية للجغرافيا.


لطالما نظرت التجمعات الدولية إلى معضلة التصحر بوصفها أرقاماً جافة في مؤشرات المناخ، أو تشققات في التربة تُعالج بالحلول الفلاحية والمادية الصرفة، لكن الرسالة المدغدغة للوعي التي انطلقت من قلب منغوليا، في أروقة القمة العالمية لمقاومة التصحر، جاءت لتقلب هذه المفاهيم التقليدية رأسًا على عقب، حيث ارتفع صوت جبل سمامة التونسي ليعلن للعالم أن مقاومة الجفاف هي في جوهرها معركة ثقافية وتربوية، وأن التربة التي تفقد مبدعيها وحماتها من الرعاة والفنانين هي أرض ماتت سريرياً قبل أن تجف عروقها.

هذا العمق التحليلي تجسد في الاحتفاء الاستثنائي بـ “يوم سمامة”، حيث تحول هذا المرتفع التونسي الشامخ من مجرد بؤرة جغرافية تقاوم قساوة الطبيعة والتحديات، إلى نموذج ملهم يُدرس في كيفية “أنسنة الجغرافيا”.
إن ربط زحف الرمال بـ “التصحر الثقافي” يمثل قراءة سوسيولوجية عميقة لواقع التغير المناخي، فالإنسان الذي ينفصل عن هويته وبيئته المحلية يفقد دافع المقاومة والاستمرار، ويتحول إلى نازح بيئي يترك أرضه نهباً للرياح.
ومن هنا، يصبح صون المعارف الرعوية، وتوثيق طرق عيش سكان الجبال، وإحياء الفنون المرتبطة بالأرض، ليس ترفاً فكرياً، بل هو خط الدفاع التربوي الأول الذي يزرع في أذهان الأجيال القادمة قيم الارتباط بالوطن والذود عن ثرواته الطبيعية.

ولم تكن الفنون في هذه القمة مجرد أداة للعرض، بل كانت لغة دبلوماسية عابرة للقارات شخّصت الوجع الإنساني المشترك، فعندما تتمازج الحنجرة التونسية بالأنغام المنغولية والقصائد الهندية، يتأكد المجتمع الدولي أن حماية المراعي قضية كونية تتطلب تضامناً ثقافياً لا يقل أهمية عن التمويلات المادية.


إن هذا التلاقح الإبداعي، الذي توج بعروض سينمائية وتكريمات دولية لصناع التغيير، يُثبت أن الصناعات التقليدية القائمة على خامات البيئة المحلية، كالحلفاء والطين، ليست مجرد مشغولات يدوية، بل هي مشاريع مستدامة تمنح سكان الجبال استقلالاً اقتصادياً يثبتهم في قراهم، ويجعل منهم حراساً حقيقيين للطبيعة ضد عوادي الزمن والتصحر.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *