آخر الأخبار

السينما التونسية تُحلق في سماء السعيدية: “الروندة 13” يعبر الحدود ليقتنص جوائز الإبداع

شارك

جليلة كلاعي تونس

بين خشونة حلبات الملاكمة وهشاشة الجسد البشري أمام المرض، تكمن خيوط درامية لا يتقن غزلها إلا مخرج يمتلك عيناً سينمائية قادرة على التقاط أدق تفاصيل الألم الإنساني؛ وهذا تماماً ما جسده المخرج التونسي محمد علي النهدي في فيلمه الروائي الطويل الثاني “الروندة 13″، الذي لم يكتفِ بإثارة شجون المشاهدين، بل فرض نفسه وبقوة في المشهد السينمائي المغاربي والعربي، ليعود محملًا بنصر جديد وتتويج مزدوج من الدورة الحادية عشرة لمهرجان السعيدية السينمائي “سينما بلا حدود” بالمغرب، مؤكداً أن الفن الصادق لا يعرف حدوداً جغرافية، وأن الوجع الإنساني لغة عالمية يفهمها الجميع.

يأتي انتزاع الفيلم لجائزتين بارزتين في هذا المحفل المغربي العريق ليعكس حالة النضج الفني التي تعيشها السينما التونسية المعاصرة، حيث منحت لجنة التحكيم الفيلم “الجائزة الخاصة للجنة التحكيم” اعترافاً بقيمته البصرية والفكرية، في حين توجت النجمة عفاف بن محمود بجائزة أفضل دور نسائي، مناصفة مع المغربية فاطمة الزهراء بلدي، في خطوة تؤكد التميز الفريد للأداء النسوي التونسي وقدرته على تقمص أعتى المشاعر الإنسانية وأكثرها تعقيداً، لتثبت عفاف مرة أخرى أنها رقم صعب في معادلة التشخيص السينمائي العربي.

تكمن القوة التحليلية لـ “الروندة 13” في قدرة السيناريو على تحويل القصة الشخصية للبطل “كمال”، الذي يجسده باقتدار حلمي الدريدي، من مجرد حكاية تقليدية عن ملاكم سابق اعتزل الشهرة بحثاً عن السكينة الأسرية، إلى تشريح سيكولوجي واجتماعي عميق لمعنى المواجهة؛ فحين يطرق السرطان باب ابنه الصغير، يتحول الصراع من حلبة رياضية محكومة بقوانين وقواعد، إلى حلبة وجودية شرسة ضد قدر لا يرحم، حيث تتماهى الحدود بين الأمل والانهيار، وتصبح كل لقطة في الفيلم بمثابة جولة ملاكمة نفسية يخوضها المتلقي مع الشخصيات.

هذا البناء الدرامي المتماسك حظي بدعم أداء تمثيلي استثنائي من طاقم العمل، بدءاً من هادي بن جبورية وصولاً إلى المشاركة الشرفية الوازنة للفنان القدير الأمين النهدي، مما خلق حالة من التوازن والتجانس بين الأجيال السينمائية التونسية، ولم يكن هذا التتويج في مهرجان السعيدية وليد الصدفة، بل هو حلقة جديدة في سلسلة نجاحات دولية سابقة طافت بالفيلم في مهرجانات القاهرة وعنابة والداخلة، ليثبت “الروندة 13” أن السينما التونسية ما زالت قادرة على حصد التقدير وترك بصمة عميقة في الوجدان العربي والعالمي.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *