عبدالوهّاب البراري.ـ تونس
ساقنا قطار اللّيل متّجها الى الجنوب التّونسي، وظلّ زئير محرّكاته يشقّ سكون اللّيل البارد بين العاصمة ومدينة قابس مسكن الصّحابي الجليل أبي لبابة الأنصاري…

كانت وجهتنا قرية القُلعة على أطراف مدينة دُوز من محافظة قبلّي بالجنوب التونسي… وصلناها مع اشراقة يوم جديد لحضور أحد المهرجانات التي طالما واكبناها منذ سنين.
القُلعة أرض الحبّ والرّجولة والايثار، شيوخها شموخ ورجالها حركة دائمة وعطاء لا يعترف بالحدود كلّما تعلّق الأمر بالقرية وبأهلها، حرائرها ركائز العائلات في القرية، أطفالها ابتسامة وصباياها حياء وعفّة…
اللّمّة مهرجان سنويّ وُلد بالقُلعة منذ أحد عشر عاما، مازال صبيّا بعدد سنواتهّ لكنّه احتلّ مكانه بين الكبار من المهرجانات في وطن بن غذاهم والدّغباجي بطلي الجنوب التونسي.

اللّمّة يختلف عن بقيّة المهرجانات التّونسية في جوهره، في برنامجه وفي جمهوره، مناسبة سنويّة، لايزال يكبر عاما بعد عام في هدوء وصبر كنخيل واحات قبلّي، يرتقي في فقراته ومحتوى برامجه ويحلو كحلاوة دقلة النّور في عراجين نخيله… أروع ما فيه أولئك الشيوخ ورفيقاتهم، تلك الحرائر، مدارس تتربّى في حجورهنّ أجيال من الشباب والصّبايا.

مهرجان اللّمّة لا يكتمل الاّ بحضور كبار القرية وشيوخهم، فهم ملح الأرض وبركة الدّيار، هم ليسوا مجرّد ذاكرة لتاريخ القُلعة وأحداثها، هم التّاريخ نفسه، هم البوصلة التي ترشد أهل المكان وتقودهم الى الأفضل، هم من صاغوا دستور القُلعة وقوانينها، حافظت عليها حكمتهم ودوّنوها في ذاكرتهم وفي أمثالهم الشعبيّة…
يقولون: “من ليس له كبير فليبحث لنفسه عن كبير”

لم تكن النّسخ العشر السّابقة من المهرجان لتنجح لولا نصائحهم ومشورتهم…
هم الذّاكرة… هم التّاريخ وهم حبل الوصل بين الماضي والحاضر.

نحتوا من تجاربهم أسلوب حياة وتقاليد توارثوها أبا عن جدّ وأورثوها لمن أتوا من بعدهم…جعلوا من أمثالهم الشعبية مواثيق شرف لم تصُغها برلمانات ورجال قانون، فهم البرلمان وهم القوانين، دوّنوها في جلساتهم حول لعبة الخربقة وخلال سمرهم حول كؤوس شاي يحتسونه شرابا دافئا كدفء سهراتهم وعلاقاتهم، حافظوا عليها وحفظوها كما حفظُوا سور القرآن في كتاتيبهم. كانت عُصارة تجاربهم فعاشت بها حرائرهم وذراريهم.
نخن لا نستمتع باللّمّة كمهرجان بل نصنع من روح فقراته رسائل أبلغ ممّا يوجد بين دفّات الكتب، قصائد شعراء القُلعة تتجاوز أسماعنا لتستقرّ في عقولنا فتوقظنا من غفلتنا التي أوقعتنا فيها مشاغل حياتنا اليوميّة.
من سكون الحياة الصّحراويّة، تطلّ علينا اللّمّة كشاطئ آمن ينعمُ به أهل هذه القرية الرّاسخة في أرض الجنوب التّونسي، ومن ظلال واحاتها ينبت جيل متمسّك بتقاليده وأخلاق حميدة تربّى عليها، شباب يافع يمتطي صهوة فرس عربيّ أصيل يروّضه كيفما يشاء، يوجّهه أينما أراد في حركات لا يتقنها غيره من الجياد، يتنقّل أحيانا على رجليه الخلفيّتين ويرفع الأماميّتين يحيّي بهما الحاضرين من حوله… فرسان بزيّهم التقليديّ تتباهى خيولهم وسط الحاضرين على أنغام الطّبل والمزمار… مشاهد قد تعود بذاكرة احدى النّسوة الى ليلة عرسها وهي تقصد بيتها الجديد، تعتلي الموكب المرافق لها على أنغام المزامير ونقرات الطبول، من حولها نسوة يتقدّمهنّ رجال القرية، بالأمس كان عرسها واليوم عرس القُلعة…
ذكريات لا تصفرّ صفحاتها ولا يصيبها الصّدأ….
ما كان لهذا اللّقاء الموسمي أن يتحقّق، وما كانت لهذه اللّمّة أن تعيش درتها الحادية عشر لولا صدق أهل القُلعة وايمانهم أنّ لهذه الأرض وساكنيها حقّ تاريخيّ عليهم…
رجال لا يهدأ لهم بال ولا حركة ولا تعوقهم التزامات عائلية عن تأمين كلّ ما أوكل لهم من مسؤوليات دقيقة…
سيدي أحمد بالرّابح على كرسيّه المتحرّك تحدّى كلّ شيء من حوله فكان حاضرا على امتداد تاريخ اللّمّة، يواكب كلّ الفقرات فلا يكتفي بالحضور فقط، بل ينصح ويوجه، ابتسامة لا تفارقه أينما حلّ والجميع يبجلونه ويعترفون بدوره ويصغون الى كل ملاحظاته، يتقبل تحيّات كل من مرّ من أمام خيمته فيردّها بابتسامته المعهودة…
السيد فتحي بن عون ورفيقه السيد فوزي بالغيث ومدير المهرجان السيد عادل بن سالم، حركة دائمة برغم الشيب الذي غزا الرأس يدونون أغلب فقرات المهرجان، لا يهدأ لهم بال ولا تنفذ لهم طاقة يساهمون في كل شاردة وواردة…
السيد سالم الغريبي من وراء نظارته يراقب كل ركن في ساحة المهرجان يسهر على راحة الحاضرين والعارضين لمنتجاتهم التقليديّة تحت خيام المعرض يوفر لهم ما يؤمن راحتهم…
إبداع فني من السيد فتحي الدّباك من خلال ملحمة الخلال، عمل درامي أمام حاضرين تجاوز عددهم الخمسة آلاف يتابعون تلك الملحمة المسرحيّة في هدوء ارتقى وتماشى مع رسائل ذلك العمل، مشاهدون لا يتوانون عن التصفيق كلّما دعا الأمر لذلك والاصغاء لإبداعات الممثلين وكأنهم محترفون قد تخرجوا منذ زمن عميد المسرح التونسي الراحل علي بن عيّاد.
وجوه بقيت محفورة في ذاكرة الحاضرين وربوة اقترنت بهذه التظاهرة فأصبحت مسرحا للّمة، مسرح لم ترثه القرية عن الرّومان ولم تشيده سواعدٌ ولكنه مكان سجّل نفسه في حياة أهل هذه القرية الفريدة بساكنيها وتقاليدهم، قرية آمن رجالها ونساؤها وشبابها بقدرهم وقدراتهم، جعلوا من النجاح هدفا ومن العمل الصادق أسلوبا ومن التعاون ميثاقا فكانت اللّمة ولاتزال.
في القُلْعة، قَلعةُ التراث والصمود لا تقاس الأعمار بالسنين بل بمدى ما يحمله المسن في وجدان الجماعة، كبار السن ليسوا مجرّد مشايخ بعدد السنوات الطويلة بل هم هويّة الأرض وبوصلة الأخلاق.
في تجاعيد يدي أحدهم تاريخ عمله وكدّه في واحات النخيل، هو الرابط الروحي الذي ينحت طريق المجتمع من حوله، لكل هذا وغيره تسعى القلعة وجمعيّة رفق لإحياء التراث الثقافي والعناية بالمسنين لإنزالهم مكانا يليق بهم وتكريمهم ليس منّة من أحد، حكمتهم ثروة حقيقيّة لا تنضب، فلا غرابة أن يتصدروا ساحة المهرجان وكلّهم هيبة ووقار.
غير بعيد عن مشايخ القرية من الرجال، موكب النّسوة حرائر ملتحفات بلباس تقليديّ محتشم تعودن على ارتدائه في مناسبات الفرح والاعراس ومواعيد اللّمة، تتوسط هذا الموكب الحاجة عائشة بنت أحمد، أكبر معمّرة في القرية بسنواتها المائة وثلاث (103)، لم يؤثر فيها قرن من الزّمن ويزيد، بريق عينيها يخلد حياة مليئة بتجاربها، تجاعيد وجهها لا تبوح بسنوات عمرها، وحديثها عن تاريخ القلعة لم تخالطه آفة النسيان تروي لك عن الأرض والواحة فتقول بصوت خافت: هناك كان يعيش الحاج مبارك، وهنا كنّا نصحب أطفالنا لكتّاب القرية، اختفى الكتّاب وبقيت سور القرآن محفوظة في ذاكرة شباب الأمس ومشايخ اليوم…
يا ولدي من لم يؤثث امسه لم ينعم بحاضره فلا يأمل من غده شيئا، لذلك ها نحن هنا ننعم بيومنا ونعيش أفراحنا، مغروسون في هذه الأرض كنخيل الواحة، نرتوي من مائها ونطعم من ثمارها رجالنا وذرارينا…
تتحلق بعض صبايا القُلعة حول الحاجة عائشة ويسافر بهن الخيال الى زمن أجدادٍ لم يعشنه ولكنهن يفتخرن بأنّهن وريثات لبعض من ذلك الماضي…
تتوقف عدساتنا عن العمل فنتابع سرد الحاجة لتاريخ القرية وتغفل أقلامنا عن تدوين ما يتهادى لأسماعنا من ذاكرة الماضي ومن حكايات الواحة.
تلك هي القُلعة وتلك هي اللّمة وأولئك أهلها.



