عبد الوهاب البراري تونس مجلة السياحة العربيّة
على ضفاف المتوسط، حيث يمتزج عبير الياسمين برائحة الورق العتيق، تستعد تونس لتكريس مكانتها كعاصمة أبدية للفكر من خلال الدورة الأربعين لمعرضها الدولي للكتاب.
هذا العام، لا يبدو الحدث مجرد تظاهرة تجارية لعرض العناوين، بل هو حراك إبداعي متجدد يعكس حيوية المشهد التونسي وقدرته على استقطاب العقول؛ إذ كشفت الهيئة المديرة برئاسة سمير السحيمي عن حصيلة لافتة للجوائز الأدبية والفكرية بلغت مئة وسبعة ترشحات، في مشهد يبرهن على أن الكتاب التونسي والعربي ما زال بخير، رغم تحديات العصر الرقمي وضجيج التكنولوجيا.
وتتجلى القيمة الرمزية لهذه الدورة في الهيمنة السردية الواضحة، حيث سجل صنف الرواية رقماً قياسياً بسبعة وثلاثين ترشحاً، مما يؤكد أن “الرواية” هي الملاذ الأول للبوح التونسي والوعاء الذي يتسع لتفاصيل الحياة والذاكرة والهوية.
هذا الزخم لم يقتصر على جنس أدبي واحد، بل امتد ليشمل عوالم الشعر والدراسات الإنسانية والأقصوصة والترجمة، في فسيفساء إبداعية تمنح الزائر والقارئ العربي صورة ناصعة عن العمق الثقافي الذي تمثله تونس كوجهة سياحية ثقافية لا تكتفي بجمال شواطئها، بل تفتح عقلها وقلبها لكل باحث عن الجمال المعرفي.
وفيما يتأهب قصر المعارض بالكرم لاستقبال ضيوفه في أواخر شهر أفريل، تتحول تونس إلى خلية نحل ثقافية تتجاوز حدود المكان؛ إذ يمثل الاحتفاء بالنشر وبالترجمة جسراً للتواصل الحضاري، خاصة مع حضور إندونيسيا كضيف شرف يثري هذا الفضاء بتنوعه الثقافي.

إن استمرارية هذا المعرض لأربعة عقود وتطور جوائزه المالية والرمزية، يضعانه في قلب الأجندة السياحية الثقافية للعالم العربي، حيث تصبح السياحة هنا رحلة في أعماق العقل البشري، واحتفالاً بالكلمة التي تظل الأداة الأقوى لربط الشعوب ورسم ملامح المستقبل المشترك.



