مقالات

الجزائر المحروسة بيوضة ضاربة في الأرض وفرعها في القلب: (الشخشوخة أكلة البهجة ببلد الأجواد) | مجلة السياحة العربية .. #السياحة_العربية

بقلم _ عمار التيمومى 

حلّت الطّائرة بمطار الهواري بو مدين فبسمت وجوه الركّاب جميعا بعد رعشة الهبوط السّالم ف”كباتنة” الغزالة التّونسية هم الأكفأ والأنبه وجوههم مشرقة وأزياؤهم حازمةٌ لامعةٌ وحديثهم حلوٌ ولطفهم بالغٌ فهم جبابرةُ الجوّ ونسور محلّقةٌ في نُبل يكون الربّان منهم أوّل المستقبليك في الطّائرة وآخر المودّعين في صوت رخيم والقبّعة مخلوعةٌ لله ما أرقى أصحاب العُلا ! . أمّا عن باسمات الأزياء الرّسمية الحمراء فحدّث عن الجمال واللّباقة واللّطف ولا حرجَ…

60345140_441815633058256_2020380700829548544_n

دَلَفَ الصّبيّ مع المغادرين جوف الطّائرة فلفَحَه هواءُ العِزّة والفخر إنّها أرضُ الجزائر المُعمّدة بدماء أبنائها النّخوة والمزدانة برموش نساء حَوَرُهنّ متاهةٌ ومتى اجتمعت النّخوةُ والحَوَرُ كانت الجزائر البهجة والمجد..

منذ قليل كان جناحا الطّائرة يمخُران صُوفات السّحاب ناصعات البيوضة والأرض هناك يكسوها دمقس الخير في مزارع وبساتين تمتدّ بينها شرايين الطّرقات السّوية والأحياء السّكنية البيضاء سائمةٌ بين المروج والهضاب والوديان الخُضر والجبال السّامقة تلوح غير بعيد أبْدِعْ به من انتظام في لوحة فنّية صاغها الإنسان في أعطيات الرّحمان.. ما أعظم الجزائر !.

60347341_338563770138318_4520879066781319168_n

أُنشئ مطارُ بومدين سنة 1924 باسم مطار الدّارالبيضاء (Maison Blanche Airport) ليكون قاعدة عسكرية إبّان الحرب العالمية الثّانية ثمّ تحوّل للخدمة المدنية سنة 1940.ومنذ 1978 خَلّد اسم رئيس الجزائر الرّاحل بومدين ويُعدّ أهمَّ مطار في البلد بسعة عشرة ملايين مسافر منشآته مهمّة وأسطولُ أهمّ شركتين فيه فقط يقارب ثمانين طائرة وسبع مروحيّات علاوة على طائرات الشّحن الجوّي.. تختصّ محطّته الأولى بالملاحة الدّولية والمحطّة الثّانية بالرّحلات المحلّية أمّا الثّالثة فلِنقل الحجيج بسَعة مليون مسافر..ويعتبر هذا الميناء الجوّي من مفاخر الجزائر..

عبَر الصّبيّ مع مرافقتيه قاعة للاستقبال فسيحة يرهق الجولان فيها العينين والنّاس هناك ألوانٌ وجحافلُ استقلّ الصّبي وصاحبتيه سيّارة تاكسي إلى أشهر أحياء العاصمة وأرقاها حي سيدي يحيى الثريّ بمحلاّته التّجارية وماركاته العالمية التي لم يشذّ بها عن نمطية الأحياء الكبرى الوليدة بمختلف كبريات مُدن الدّول العربية ..

60348665_412116636289164_3865807579598815232_n

انتهى المطاف بالصّبيّ ومرافقتيه إلى بيت لويزة وكنزة فهشّت الآنستان الجزائريّتان لاستقبال صديقتيهما في عَصفَة قُبل وتسليم يعسر على المتابع تبيّن ما قيل فيها ولا عدد القبل لتعاقبها السّريع ومرّ الجميع من باب سميك إلى بهو يُفضي إلى قاعة استقبال رَحبة ليجلسوا على طقم من أرائكها وانطلقت جولة حديث النّسوة متعدّد المواضيع ينسلّ بعضها من بعض .. وقُدّمت حلويات ومرطّبات الاستقبال وشرابه وأيدي الجزائريات تتفنّن في صنوف الحلويّات وأشكالها البديعة وألوانها الزّاهية كالألوان التي تسود البيت الجزائريّ بخلاف زيّه الرّسميّ الخارجيّ الحليبيّ الأغرّ ..

غدا سيقدم المدعوّون لخطبة كنزة كريمة الحاج إبراهيم في جمهرة يتقدّمها الطّبل والمزمار وسيكون صحن الدّار حلبةً يصبّ عليها القادمون وبعض أهل البيت جام فرحهم فترقص أجساد الرّجال والنّساء حتى تتهالك بعد كلّ جولة على كراسيّ لتوزّع عليهم الخالة جويدة أمّ العروس ولويزة أختها حلويّات ومشروبات ملوّنة ما نَسِيَ صبيّنا طعمَها حتى اليوم.. ثمّ يعود الرّاقصون إلى رقصهم .. ولحظة التحاق الشّيوخ ينقلب تهتّكهم رصانةً ويجتمع الموكب لقراءة فاتحة العروسين السّعيدين..

60352321_429040204560149_152112185252773888_n

أمّا اليوم فنحن أضياف ومأدبتنا “شخشوخة” جزائرية لذيذة..مازالت سنّ الصّبيّ تسمح له برفقة النّساء في خلواتهنّ ولا تتورّع الجريئات منهنّ على مشاكسته فتخجل وجنتاه والذّكورة بداخله منتشية .. دخل الجميع إلى المطبخ فجلست أختا الصّبيّ وكنزة على مائدة الطّعام لتدور بينهنّ وشوشات ماكرة ترتفع لها ضحكاتهنّ المائعة فتزجرهنّ في شبه حزم ربّة البيت..

ثمّ تُوقد النّارَ تحت قِدر به خمس ملاعق زيت قطّعت فيها حبّةُ بصل ثمّ وضعت قطع لحم ضأن كبيرة لتقليها على وجهيها قبل أن تُضيف إليها معجون حبّتي طماطم وملعقة مسحوق الفلفل الأحمر ونصف ملعقة ملحًا وستّ أسنان ثوم مهروشة وملعقة خليط التّوابل “راس حانوت” وكأس حمّص وحين يفوح من القدر طعمٌ مُؤذن بلذيذ الطّعام تُسكت السيّدة جويدة تشتشات الزّيت بصبّ ماء حتى ينتصف امتلاء القدر وتغطّيه ليغليَ ويُنضج اللّحم. ثمّ تُضيف حبّات صغيرة من البصل المقشور وحبّات بطاطا مشطورة وملعقة من معجون الطّماطم وأربع حبّات فلفل وتغطّي الإناء وقد بدأ بإصدار رائحة آسرة حتى يجهز فتضيف السيّدة ملعقة سكّر لتحدّ من حموضة الطّماطم وتُخمد عندئذ نارَ قِدرها وتُضرم نارَ شوقنا إلى طعامها …

60352618_449781935566182_6395482976947273728_n

وتنصرف هي إلى مِعجنة تضع فيها كيلوغراما من دقيق القمح المُصفّى (السّميذ) به ملعقة ملح وتصبّ عليه ماءّ وتعجنه مليّا حتى يتماسك ثم تلفّه بكيس بلاستيكيّ شفّاف وتلتحق بالبنات لمشاغلتهنّ والسّؤال عن أحوالهنّ كلّ ذلك وعجين فطائر الشخوشخة يكمن ليتماسك أمّا قلب الصّبيّ فقد بعثره الانتظار.. وبعد انشغال كاد يُنسينا جوع الصّبيّ عادت السيّدة جويدة رفقة لويزة إلى العجين تكوّرانه كريّات صغيرة بحجم الخَوخة وتغطّيان الكريّات بكيس بلاستيكي لمدّة ستّين دقيقة لتتماسك ثمّ تفطّرانها بأياد صَنَاع حتى تكاد تشفّ فتحمل إحداهُما المرقّقةَ الأولى لتضعها بطاجين على نار هادئة وحالَ نُضجها تُقلب على وجهها الآخر لتُوضع عليها مرقّقة ثانية وكلّما نضج وجهٌ قُلبت أقراص الفطائر لتُضاف إليها مرقّقة جديدة وإن بلغ عددها ثمانية أزيحت لتوضع في كيس كي لا يجفّفها الهواء وتواصلان الأمر نفسه مع باقي الأقراص الطيّعة حتى تحصلا على فطائر ذهبيّة ..

تأخذ الجزائريّتان في تفتيت رقائق الفطائر في صحن كبير ومتى جهزت قطعُ رقّاق الشّخشوخة تأخذ في سِقائها بالمرق وتضع عليها باقي المكوّنات وهما تحرصان على تنسيق قطع اللّحم والبطاطا والبصل والحمّص والفلفل، والفتى يذرع أرضية المطبخ وقد استبدّت به روائح الشخشوخة الشّهية المَريئة…فلمثل هذه اللّذائذ تُشدّ الأرحُل…

60430799_443885519706385_7567896808374927360_n

وتنتظر السّائحَ كنوزٌ شتّى بالمدينة البيضاء فبناءاتها في الغالب عمارات ذات نمط أوروبيّ أسفله للاتّجار والمهن الصّغرى وأعاليه للسّكنى تزدان شوارعها بصقيل الشّجر وبها حدائق منظّمة تتفاوت حظوةً وقيمةً وملاعبُ ومسارحُ وأنفاق وقناطر ونخيل وسكك حديد ومنشآت عظيمة … طُرقها فسيحة سالكة ومستعملوها منضبطون الأنوار بكلّ مكان وأثر الإنسان فيها جليّ العزم فلا بناءات مهملة إذ السّواعد نشيطة والقامات منتصبةٌ فخرًا واعتزازا.. بالجزائر قصور وأحياء مرفّهةٌ ومعامل ومصانع جليلة النّفع أمّا المدينة العتيقة فهي كنز أسرار الحياة لقرون بأرض البهجة وبها نُزل وفنادق تمتدّ من الشّعبيّ الكالح إلى الفاخر النّاصع وبها ميناء عظيم ترفده مرافئ يتنوّع استخدامها ..وبها مراكض وملاعب وقاعات رياضية ذات قدرة استيعابية مهولة ومساجد صومعاتها تيّاهة وكنائس ومعابد هادئة على فرادة هندستها وبها مجسّمات شامخة .. وفي الجزائر العاصمة شواطئ ساحرة نقية منظّمة تخلب الألباب وتجلب المصطافين المحلّيين والسيّاح من عشّاق الجزائر .. حقّا ما أعظم الجزائر ! …ويظلّ بالجراب كلام وكلام…

60472721_298141881075346_4795694752534102016_n

توسعةٌ:

[تُوسمُ الجزائر ب:البهجة والمحروسة والجزائر البيضاء وقد استقلّت عن احتلال فرنسي قاس في الخامس من يوليو ١٩٦٢

وهي مساهمة أساسية في العديد من المؤسّسات المالية العالمية ومنتمية إلى أغلب المنظّمات والهيئات الدّولية وتعدّ من أهم الدّول العربية والاسلامية ومن أثراها وهي عاشر أكبر بلد في العالم والأولى افريقيا وعربيّا ومتوسّطيّا بها ٤٨ ولاية. تعاقبت على البلاد حضارات عديدة لعلّ أبرزها النّوميدية والفينيقية والبونية والرّومانية والوندالية ثم البيزنطية والإسلامية من الأمويّين والعبّاسيّين والزّيريّين والحمّاديّين والمرابطين والموحّدين فالعثمانيّين لتعرف الاحتلال الفرنسي سنة ١٨٣٠

دامت معركة التّحرير فيها حوالي سبع سنوات ونصف السّنة ويعيش أغلب سكّانها الذين يقاربون الأربعين مليونا في شمال البلاد قرب السّاحل حيث المُناخ المعتدل والأراضي الخصبة .

أطلق عليها اسم الجزائر نسبة إلى جزر أربع تقع قرب عاصمتها ومنه فقد سَرَى هذا الاسم على كامل البلاد…

60563976_560221427719006_1878475900492709888_n

الجزائر العاصمة:

تأسّست سنة ٩٤٤ م عدد سكانها ثلاثة ملايين ونصف المليون لها توأمة مع أهمّ مدن العالم شرقا وغربا..

“إكزيوم” هو اسمها الرّومانيّ وسُمّيت بالبيضاء لبيوضة عمارتها ولمعانها. وهي قسمان: قسم المدينة القديم (يعرف بالقصبة) على هضبة شديدة الانحدار .. أمّا قسمها الحديث فهو على شاطئ المتوسّط

وهي المركز الاقتصاديّ والاجتماعيّ الأهمّ في البلاد..أسّسها بولوغين بن زيري مؤسّس الدّولة الزّيريّة على أنقاض المدينة الرّومانيّة

قال فيها ابو عبيد البكري الجغرافي في أواسط القرن الحادي عشر :”…وهي مدينة جليلة قديمة البنيان فيها آثار الأول وأزاج محكمة تدلّ على أنّها كانت دار ملك لسابق الأمم”(كتاب المسالك والممالك)

أمّا ابن حوقل فقال فيها:”…مدينة عليها سور في نحو البحر وفيها أسواق كثيرة ولها عيون على البحر طيبة وشربهم منها ولها بادية كبيرة وجبال فيها قبائل من البربر كبيرة وأكثر المواشي من البقر والغنم سائمةٌ في الجبال ولهم من العسل ما يجهز عليهم” ]

60344658_2374486089465339_4368190217744547840_n

60488499_449220055853274_5046792546546614272_n

60630571_2319898544888365_5194578329637748736_n

60916473_674727719667169_7815739107371384832_n

60986953_1061351010730317_1436014348253265920_n

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى